الإخلاص في ثورة الحسين «عليه السلام»


يُقيِّم كثير من الناس أعمال الإنسان بحسب ما يظهر منها، ويسري هذا إلى المجالات الخيريّة، فيقال: هنيئاً لفلان قد عمَّر مسجداً، وهنيئاً لفلان قد بنى مدرسة، ولله دَرُّ فلان قد شيَّد حسينيّة، فيكون البعد الظاهري للعمل في نظرهم هو الأساس في قيمته .. فهل تقييم الله لعمل الإنسان يُوافق نظرة هؤلاء أم يختلف ؟ إنّ الجواب هو قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . فلم يقل الله لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بل أَحْسَنُ عَمَلًا.. .. فالمدار في نظرة الله تعالى هو حسن العمل. فأوّلاً لا بدّ من عمل، إذ لا يكفي عند الله سبحانه الإيمان القلبي المجرَّد، كما يردّد بعض الناس لتبرير عدم إلتزامهم الدينيّ: (إنَّ الإيمان بالقلب).. كلّا، إنّ الإيمان القلبيّ وحده لا يكفي، فالله تعالى يقول: وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ * وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ * وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ . ونأتي إلى عمل الحسين “عليه السلام” في كربلاء لنجد فيه العطاء الكبير على المستوى الظاهري، فبعمله أيقظ الأمّة النائمة التي كان الإسلام يُمحى من حولها دون أن تحرّك ساكناً، فبعمله حافظ على الإسلام، كما يقول عالم الأزهر الكبير الشيخ محمّد عبده: (لولا ثورة الحسين عليه السلام لم يبق للإسلام من أثر). لكن لو سألنا الحسين (عليه السلام) عن داعيه الأساس في ثورته، فإنّ الحسين سيجيب بتلك الكلمات التي نسبت إليه قبيل أن يستشهد في كربلاء (ولو كانت بلسان الحال): “إلهي تركتُ الخلق طُرًّا في هواكَ ..وأيتمْتُ العيالَ لكي أراكَ .. فلو قطَّعتَني بالحبّ إرْباً.. لَما مالَ الفؤادُ إلى سواكَ..”.
قام الحسين (عليه السلام) بثورته لأجل الله تعالى، لأجل لقاء الحبيب.. ليأتي مُخْلِصاً له في كلّ أعماله.. إنّ القيمة الكبيرة لعمل الحسين عليه السلام في كربلاء هو عامل الإخلاص الذي تجلَّى في كربلاء. وأراد الحسين (عليه السلام) لثورته أن تقدّم أرقى نموذج في الإخلاص لله تعالى.. لم يُرِد الحسين عليه السلام الإنتصار العسكريَّ من ثورته، فهو كان يعلم أنّه سيستشهد هو وأهل بيته وأصحابه. فلنقارن بين هدف طارق بن زياد وهدف الحسين (عليه السلام): فطارق حينما حطَّ وجيشه الرحال على ساحل البحر، أحرق السفن وأبقى القوت ليوم واحد وخطب في جيشه قائلاً: (هذا العدوُّ أمامكم والبحر وراءكم إمّا أن تنتصروا وإمّا أن تموتوا). كان طارق يريد الإنتصار العسكريَّ ففعل هذا.. أمّا الحسين عليه السلام فقد جمع أصحابه في ليلة العاشر من محرّم وخطب فيهم قائلاً:… أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصلَ من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً، وقد أخبرني جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّي سأُساقُ إلى العراق، فأنزل أرضاً يقال لها عمور أو كربلا، وفيها أستشهد وقد قرب الموعد، ألا وإنّي أظنُّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم، فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً، وتفرَّقوا في سوادكم ومدائنكم، فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري . فقام مسلم بن عوسجة، وقال: “أنحن نخلّي عنك ؟ وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟! أما والله لا أفارقُك حتى أطعنَ في صدورهم برمحي، وأضرب بسيفي ما ثبَتَ قائمُه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلُهم به لقذفتهم بالحجارة حتّى أموتَ معك”. وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: “والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أنَّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما والله لو علمت أنّي أُقتلُ، ثمّ أحيا، ثمّ أُحرق حيّاً، ثمّ أُذرّى، يُفعلُ ذلك بي سبعين مرّة لما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً”. وقام زهير بن القين وقال: “والله وددت أنّي قُتِلت، ثمّ نُشِرت، ثمّ قُتلت حتى أُقتل كذا ألفَ مرّة، وإنّ الله عزَّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك”. وهكذا تكلّم باقي الأصحاب… وفي جوف تلك الليلة خرج الحسين عليه السلام يتفقّد التلاع والروابي فلحقه نافع بن هلال الجملي خوفاً عليه، فرجع الحسين عليه السلام وقبض على يد نافع ثم قال هي هي، والله وعدٌ لا خُلْفَ فيه. ثمّ قال (عليه السلام) لنافع: ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك ؟ فوقع نافع على قدميه يُقَبِّلهما ويقول: “ثكلتني أمي، إنّ سيفي بألف، وفرسي مثله، فوالله الذي منَّ بك عليَّ لا فارقتك حتى يكلا عن فري وجري”. إنّهم حقّاً “عشّاق شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من بعدهم”. فلنتعلّم من الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه كيف نخلص لله تعالى، فنقتبس الإخلاص درساً من دروس الحسين (عليه السلام) في عاشوراء، لنكون الأمّة المخلصة التي تنصر الله فينصرها نصراً مؤزَّراً من عزيز مقتدر.



