إياد الموسوي.. رحالة الفن التشكيلي العراقي حول العالم

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يعد الفنان إياد الموسوي، رحالة الفن التشكيلي العراقي حول العالم والكتابة عنه تعني الدخول إلى حيث يصبح الفن ليس فعل صنع بل فعل وجود، فعلى مدى أكثر من أربعة عقود نحت الموسوي اسمه ليس كرسام مقيد بأسلوب ما، بل كفيلسوف للشكل، وصاحب رؤية استهلكت حياته في مسعى جذري واحد هو رفض الاستقرار في أي مكان، إذ إن فنه، سواء في رواسب الفحم المخملية الناعمة أو في كيمياء الأكريليك والأصباغ المحترقة، لا يقدم للمجتمع مجرد صور بل تأملات في الذاكرة والهوية.
وقال الناقد حسن عبد الحميد في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: ان “أياد الموسوي، الثقل المزدوج المتمثل في الميراث الثقافي والبحث الحداثي بمهارة متساوية، منذ دراسته في مجال الطباعة في جامعة كونكورديا في مونتريال وحتى حصوله على جائزة الفنان المتميز في كيبيك عام 1992 وإقامته في مركز بانف، كان شخصية لا تخشى التضاريس الصعبة جغرافيًا وجماليًا”.
وأضاف: “لأكثر من أربعين عامًا، تعامل مع الفن ليس كتكرار، بل كبحث، يُنظر إلى ممارسته على أنها سلسلة من التحقيقات العميقة، يبدأ كل مشروع بمفهوم موضوعي فريد، وسؤال فكري وجمالي جديد، ومن هذا السؤال تنمو لغة متميزة من حيث الشكل والمادة والتقنية”.
وأوضح: “عبر معارضه الفردية السبعة والعشرين، التي أقيمت في بغداد، والمغرب، وكندا، ولندن، ودبي، وبانكوك، والرياض، وغيرها، لم يكشف الموسوي عن سلسلة من المعارض الاسترجاعية، بل عن أطلس للأفكار، يقف كل معرض بمثابة شهادة على شجاعة البدء من جديد، ورفض الاعتماد على الصيغة، والقفزة الجريئة إلى المجهول”.
وبين: ان “الموسوي ينتمي إلى ذلك المجال النادر من الفنانين الذين لا يعتبر التجديد بالنسبة لهم، تساهلاً بل ضرورة، أهميته بالنسبة للمجتمع لا تكمن فقط في قوة الأعمال نفسها، بل في فعل الرفض نفسه، رفض الركود، ورفض التحول إلى سلعة تُظهر رحلة حياته ما يؤمن به هو نفسه، وهو أن البراعة الفنية الحقيقية تكمن في الشجاعة للبدء من جديد باستمرار، والتساؤل، والبحث عما لم يتم العثور عليه بعد”.
وتابع: “ربما يكون الموسوي قد حقق الوضوح الأكثر إلحاحًا في مجموعته الأخيرة من أعماله واسعة النطاق، والتي عُرضت في المغرب وبغداد، فهو يستخدم عنف الفحم، وخطوطه المائلة واللولبية، وهندساته المتكسرة، لإثارة القوة الجسدية والعاطفية، تبدو اللوحة وكأنها سطح أكثر من كونها طرسًا للنضال، كل منها يمس ندبة من الذاكرة”.
وأكمل: “لا يوجد مكان تحقق فيه رؤية الموسوي الأخيرة قوة أكبر مما تحققه في أعماله الجدارية، هذه ليست لوحات بالمعنى التقليدي، إنها بيئات ومجالات كثافة يضطر المشاهدون إلى الدخول إليها”.
وواصل: “ما أهمية إياد الموسوي للمجتمع اليوم؟ لأنه في عالم غارق في السطح والمشهد، يصر على العمق. أعماله ليست زخرفية بل تشخيصية. يتحدثون عن الصمود في بغداد، وعن الذاكرة في المغرب، وعن المنفى في كندا. إنهم يذكروننا بأن الفن ليس ملحقًا للحياة ولكنه ضرورة للإنسان وبالنسبة للعالم العربي، تعتبر أعماله بمثابة جسر يربط الممارسة المعاصرة بالوعي التأريخي، ويصر على أن الحداثة يجب أن تحمل الذاكرة داخلها. بالنسبة للغرب، فهو يقدم بديلاً للمشهد الاستهلاكي، الفن باعتباره تحقيقًا وليس سلعة. لكليهما، فهو يقدم الشجاعة، الشجاعة للتجرد، والبدء من جديد، لجعل الأسود والأبيض أقوى من ألف لون”.
وختم بالقول: “ضمن المشهد الفني العالمي، يحتل الموسوي موقعًا فريدًا: داخليًا وخارجيًا، شرقيًا وغربيًا، تصويريًا وتجريديًا. وهو ليس إقليمياً، ولا يستسلم للاتجاهات الدولية وكما لاحظ الباحث في برنامج فولبرايت جون ديشمان، فإن الموسوي يقف من بين أهم جيله وسيشكل الأساس لفصل جديد في تأريخ الفن”.



