اخر الأخبارثقافية

لوحات كريم سعدون.. كائنات عراقية رمزية تنبثق من الذاكرة واللاوعي الجمعي

مفعمة بمفردات بصرية تحاكي الأساطير القديمة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد ثامر داود السوداني، ان لوحات الفنان التشكيلي كريم سعدون، هي كائنات عراقية رمزية تنبثق من الذاكرة والخيال واللاوعي الجمعي، بملامح تتوارى خلف تجريد يشي بالهشاشة والاندثار، وكأنها أطياف جاءت من عمق الأسطورة أو من صمت الذاكرة.

وقال السوداني في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: ان “كريم سعدون ليس فنانا تشكيليا عاديا، بل يمتلك خبرة في الرسم والكاريكاتير، ولذلك يقترح في أعماله التشكيلية، عالمًا قائمًا على الشخوص، لكنّ هذه الشخوص لا تأتي بوصفها تمثيلًا مباشرًا للجسد أو محاكاة مادية للوجود، بل بوصفها كائنات عراقية رمزية تنبثق من الذاكرة والخيال واللاوعي الجمعي، فهو يختار أن يحرر الجسد من ثقله الواقعي، ليجعله كيانًا شعريًا يتنفس داخل فضاء اللوحة”.

وأضاف: أن “شخوصه تغدو أقرب إلى علامات بصرية، تنفتح على حوار داخلي بين الضوء والظل، بين الامتلاء والفراغ، وبين اللون الذي يتحول إلى إيقاع روحي يضبط حركة الخطوط، فهي شخصيات تلامس حدود الطيف الإنساني، وجوه غامرة بالحزن والرجاء، أو ملامح تتوارى خلف تجريد يشي بالهشاشة والاندثار، وكأنها أطياف جاءت من عمق الأسطورة أو من صمت الذاكرة”.

وتابع، إن “شاعرية أعماله تكمن في قدرته على تحويل التجربة التشكيلية إلى لغة وجدانية، حيث يتقاطع الحس البصري مع البعد الفلسفي، فكل لوحة له أشبه بصفحة شعرية مرسومة، تُقرأ بالبصر وتُصاغ بالخيال واللون عنده ليس مجرد زينة أو زخرف، بل هو صوت داخلي يعبّر عن حالات الكينونة”.

وأوضح: إن “شخوص كريم سعدون ليست نماذج مكتملة أو صورًا فوتوغرافية، بل هي مجازات إنسانية، تجعل المتلقي يعيش تجربة جمالية تتجاوز العين لتصل إلى الروح، ومن هنا يكتسب عمله الفني طابعًا شعريًا، لأنه يزاوج بين حضور الجسد وغيبته، بين لحظة الرسم وامتدادها الرمزي في الذاكرة”.

وأشار الى ان “الفنان كريم سعدون سعى في الكثير من أعماله الفنية التأسيسية، إلى استعادة جوانب مهمة من الموروث الثقافي والحضاري لبلاد الرافدين، من منظور إبداعي جمالي يحمل أكثر من رسالة، وأكثر من معنى، حيث ظهرت هذه الأعمال، مفعمة بمفردات بصرية تحاكي الأساطير القديمة، طلاسم، رموزا معتقة، وشوما، وأخرى احتفت بالبيئة العراقية بأهم مكوِّناتها التي كانت مقدَّسة عند السومريين والبابليين والآشوريين، على نحو رمزي يمتد لتوليفاته وإنشائياته التشكيلية التي يمتزج فيها التشخيص مع التجريد”.

وعلى الصعيد نفسه، قال الناقد المغربي إبراهيم الحيسن: “لقد تميَّز اشتغال الفنان على هذا المستوى بالتصوير الإيحائي، لتثمين أصوله وجذوره الثقافية والتراثية، من منظور صباغي معاصر قائم على التجديد، وهو حصيلة أشغال متتالية داخل محترف لا يهدأ، حيث شغف الفنان وولعه بالإبداع الذي يجد فيه وسيلة للتنفس، والانتصار لمواقف شخصية صعبة، لم يكن من السهل استيعابها والتعبير عنها بتصويرية رمزية تتعايش فيها الألوان وحوامل الاشتغال، من الرماديات الملوَّنة، مروراً ببياضات نورانية وتسريحات لونية صمغية وترابية محمرة، مع زرقة كوبلتية وصفرة ساجية، بجانب درجات لونية بنية وكحلية وبنفسجية.. وغير ذلك من التطبيقات الطيفية المتنوِّعة التي نسجها الفنان في العديد من لوحاته، احتفاءً بالتراث وبالأرض التي لم تسلم من التخريب والتدمير، ومن الاعتداءات المتكرِّرة من طرف أعداء الحياة والوجود.. فكثيرة هي لوحاته الفنية التي مجدت المكان وتأريخه، المكان بما هو فضاء وذاكرة وتأريخ وثقافة الأجداد أيضا”.

وأكمل: ان “موضوع العمل الفني يولد في واقع قلق ومتغير شهد الكثير من المآسي في الغربة والشعور بالألم، وهذا شكّل لحظة تساؤله الانساني حول وجوده، فكانت تجربته في اوروبا غنية في انعكاساتها في هذا المجال الذي برز بشكل واضح في سمات الاشرطة السينمائية، فانه يرمي الى اضفاء قيمة على وجوده، لان تلك المخاضات كانت وليدة التجربة المعاشة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى