ثقافية

الظلال الثلاثة

987

غسان عباس محسن

شمس ساطعة طوال الوقت جعلت من رؤيتي لشخوص تلك المسرحية أمرا مستحيلا، لذا ركنت إلى مكاني فيما كنت قابعا في صمتي أرقب الظلال التي ارتسمت على الجدار البائس الذي قربت نفسي منه أشاهد ولا أفعل شيئا أخر.
كان الرجل صاحب الظل القصير يقف في وسط الخشبة المتداعية للمسرح الكئيب، كان يقيدني بسطوة حضوره، وأما الرجل ذو الظل الطويل فقد كان جاثيا على ركبتيه قرب صاحب الظل القصير وقد لمحت ظلي يديه يرتفعان بين الفينة والأخرى ليرسما علامة الرجاء على ذلك الجدار البائس، كل ذلك كان يحدث وأنا قابع في صمتي.
بالاضافة إلى ظلي الرجلين كان هنالك ظل كبير لرجل كان يقف بعيدا عنها في نهاية المسرح، كان ظله كبيرا لدرجة أنه كان يثير في الرعب كلما تزحزح من مكانه في حركات كان يريد من خلالها إخافة كلا الرجلين، كل ذلك كان يحدث وانا قابع في صمتي، مر بعض الوقت وكل واحد من أولئك الثلاثة يعيد ويكرر تلك الحركات التي كان يقوم بها حتى قطع صاحب الظل الكبير تلك الرتابة المملة حد اليأس فتحرك باتجاه الرجلين. كان يبدو وكأن ظل الكبير قد كبر حجمه شيئا فشيئا حتى أشفقت على الرجلين، كل ذلك كان يحدث وأنا قابع في صمتي.. وعندما وصل إليهما شعرت بالشفقة حتى تجاه الرجل ذي الظل القصير الذي لطالما شعرت بمقته وذلك بعدما دفعه صاحب الظل الكبير فجعله طريح ارض تلك الخشبة البائسة ثم جعل الرجل ذو الظل الطويل يقف على قدميه ليقلب بذلك ما كان عليه الحال قبل مجيئه.. كل ذلك كان يحدث وأنا قابع في صمتي.
تحرك بعدئذ – صاحب الظل الطويل – ليعود إلى مكانه الأول بعد ان غير كل ما كان موجودا في وسط ذلك المسرح وبحركته تلك ثم أقفل راجعا إلى مكانه. ألتفت وأنا ما أزال قابعا في صمتي فرأيت ظل يدي الرجل القصير الذي صار جاثيا على ركبتيه ترتفعان نحو الرجل ذي الظل الطويل لترسما علامة الرجاء على ذلك الجدار البائس، صار الرجل ذو الظل القصير يفعل نفس ما كان يفعله صاحب الظل الطويل فيما سبق.. هذا الأخير سرعان ما صرت أمقته هو الآخر بعدما تعلم زرع الرعب في نفسي كما كان سلفه يفعل من قبل. راح الرجل ذو الظل القصير.. جاء الرجل ذو الظل الطويل.. كل ذلك كان يحدث وأنا قابع في صمتي، فتساءلت مع نفسي: ترى ما الذي يحدث لو أحرك ذلك الشيء الذي أمتلكه وأنهي حالة صمتي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى