ملحمة الإيثار الحسيني تنهض بالمسلمين مجدداً

(أغلب حكّام البلدان الإسلامية ألزموا أنفسهم بأن يحولوا بين شعوبهم وبين التقدم).
إنَّ ما قدمه الإمام الحسين “عليه السلام” من تضحية وإيثار في ملحمة استنقاذ الإسلام والمسلمين، كان ينبغي أن يضع أمة الإسلام في موقع متقدم بين الأمم، بل في موقع القمة، لأن الإيثار الحسيني لم يسبق أن حدث له شبيه عبر تأريخ البشرية الطويل، فالمخرجات التي صنعتها واقفة الطف كانت تتقدمها إزاحة الأمويين من حكم الدولة، وكذلك إزاحة الدولة العباسية، وحتى يومنا هذا، لا يزال الحكام الطغاة ترتعد فرائصهم من قوة التأثير الحسيني.
وقد عايشنا ورأينا بأعيننا كثيراً من الحكام المستبدين، كيف يخافون من الإمام الحسين “ع”، فيتخذون قرارات وإجراءات عملية تسعى الى عزل الناس عن الإيثار والتأثير الحسيني، مثل منعهم من إحياء مراسيم استشهاد الإمام ومنعهم الزوار من مواصلة شعيرة المشي باتجاه كربلاء في الأربعين الحسيني، ومنهم حتى طبخ الطعام وإقامة المواكب والمجالس.
كل هذا كان يحدث بسبب خوف الحكام المستبدين من الإمام الحسين “عليه السلام”، ومن قوة تأثيره في قلوب ونفوس الناس، وتنوير عقولهم وتقوية إرادتهم، وتحريك دماء الثورة والرفض في أجسادهم، ولهذا يخشى الحكام وحكوماتهم الفاسدة من مواجهة الفكر الحسيني الذي زرع في الناس القدرة على مواجهة الحكم الجائر ومقارعته حتى الاندحار والسقوط التام.
ولكن للأسف لم يستثمر المسلمون هذا الإيثار الحسيني فيما بعد، وخاصة الحكام الذين لا يروق لهم أن تتطور عقول الناس ويزداد وعيهم، لأنهم لا يستطيعون حكم الناس الواعين بالقوة الغاشمة وبالاستبداد والظلم، لذلك تأخر المسلمون عن الأمم الأخرى.
المخرجات المتميزة لعاشوراء
نعم فتلك المخرجات العظيمة لملحمة عاشوراء، لم يتم استثمارها كما يجب، فغادروا روح الإسلام، ولم يعملوا بتعاليمه السمحاء التي تضمن لهم مركز الصدارة في قيادة أمم العالم أجمع، ولهذا ظهرت معالم واضحة عن تأخر المسلمين حتى بلغت الفجوة بينهم وبين أمم أخرى واسعة وكبيرة، وهذا يرجع إلى كون المسلمين لم يتمسكوا بالإسلام كما يجب.
ومن أكثر العلامات وضوحاً على تأخر المسلمين في غضون المئة سنة الماضية هي علامة الأمّية الجماعية، على الرغم من أن عددهم يصل إلى ملياري نسمة، وهذا يدعو إلى الدهشة حقا، فهل يُعقل أن نسبة عالية من هذا العدد الكبير لا يقرأون ولا يكتبون؟.
هذا هو الواقع بالفعل، فمعظمهم يغطسون في الأمية من أرجلهم حتى رؤوسهم، والسبب لا يعود للأفراد أنفسهم، وإنما يقف وراء هذا التجهيل المتعمَّد الحكام غالبا، فهؤلاء الجائرون الظالمون الفاشلون يعرفون بأن عروشهم لا تصمد أمام العقول المتنورة المتعلمة، لذلك حاولوا بكل ما يستطيعون أن يضعوا العراقيل أمام تطور الأفراد في القراءة والكتابة والتعليم.
وهكذا يمكن أن نعزو السبب الرئيس لتأخر المسلمين ولدانهم إلى الحكام الذين يخشون شعوبهم إذا توجهت إلى التعليم والوعي والتثقيف، وكذلك هناك أسباب أخرى من بينها عدم تحمل المواطن نفسه لمسؤوليته في استثمار عقله وقدراته الذهنية بالطريقة الصحيحة، فإذا كان الحكام يفرضون التجهيل على الناس، ينبغي أن يتعلموا مواجهة هذا الأسلوب الخبيث.
ومع أن الإسلام حث المسلمين على أهمية التعليم وطالبهم بالسعي نحو العلم والتعليم، إلا أن أغلب الحكام في الدول الإسلامية وضعوا الخطط النظرية والتطبيقية الكفيلة بتحجيم العلم والعلماء، ومحاصرة العقل والعقلاء، ومنع العلوم من أن تتدفق على العقول وبالتالي تشكل تهديداً مباشراً لعروشهم التي بنُيَت على جماجم الشهداء.
ولكي نستعيد مجدنا كأمة ذات تأريخ مشرق، وثقافة إسلامية عظيمة، علينا أن نتخذ من عاشوراء منهجاً للإصلاح، ومواصلة العلم والتثقيف ومضاعفة الوعي، وزرع الخوف في قلوب الحكام المستبدين، حتى يكفوا عن العبث بمقدرات المسلمين، ويبتعدوا عن حملات التجهيل المتعمد التي يقومون بها عبر أدواتهم بين حين وآخر لضرب محاولات التحرر والتقدم.
المهم بالنسبة للمسلمين الآن، كيفية الاستفادة من الفكر الحسيني ومن مبادئ الإمام الحسين، وان يلتزموا بموازين التفكير والعمل إسلاميا، حتى يغادروا دائرة التأخر التي انغلقت عليهم منذ قرون وقرون، لكي يستعيد المسلمون مكانتهم، ويندحر أعداء التعلّم والتقدم.
إن ما حدث من حالات نكوص في حياة المسلمين، باتت واضحة لهم أولا، وحتى لأعدائهم من الحكام الفاسدين المستبدين، وهذا يبيت، لماذا لم يستطع المسلمون مواكبة التقدم العالمي، وعليهم اليوم أن يستثمروا الإيثار الحسيني بالطرائق التي تمنحهم خرائط العمل الصحيحة نحو التقدم إلى أمام، حتى يكون بمقدورهم مواكبة الأمم الأخرى، ومغادرة منطقة التأخر إلى الأبد.



