عصرَ الغاضريةِ

مهدي النهيري
الوقتُ
منتصفُ الخليقةِ،
والمكانُ
قبيلَ أن تغدو البلادُ بلادا
والمشهدُ
الكلماتُ ليستْ كُفْؤَهُ
ولوِ السماءُ جرتْ عليهِ مِدادا
رملٌ
وأيامٌ مبعثرةٌ عليهِ
وعالَمٌ بالميِّتينَ تَمادى
ومُعفَّرونَ ولا رؤوسَ،
وباكيانِ يُسمَّيانِ الليلَ والسجّادا
لا شيءَ..
إلا الخوفُ مشتبكًا مع الظلماءِ، وهْوَ يفسِّرُ الأبعادا
لا شيءَ فعلًا!!
غيرَ أنَّ دمًا نبيًّا فاضَ، فانْبَثَّ العراقُ سوادا
الموتُ لم يكُ سيِّدَ الأشياءِ،
حتى احتالَ فاغتالَ الحسينَ.. وسادا
والقتلُ طولَ الدهرِ لم يكُ جيِّدًا جدًّا،
وعصرَ الغاضريةِ جادا!!
جسدٌ أثارَتْهُ النبوةُ..
ثمَّ أفراسُ الخلافةِ آثرَتْهُ طرادا
وكأنَّ من داسُوا الضلوعَ،
تأكَّدوا جسدَ النبيِّ،
فأكَّدوهُ جيادا
طَحَنُوا على أضلاعِهِ (لا رَيْبَ فيهِ هُدىً)
فلم يعُدِ العبادُ عبادا
فكأنَّ في كلِّ الأكفِّ ذَمِيمَةً شَمِرًا
وفي كلِّ النفوسِ زيادا
وكأنَّ حمزةَ يُستعادُ،
وشِدْقَ هندٍ لا يزالُ يمزِّقُ الأكبادا
لكنْ أميَّةُ وسَّعتْ أُحُدًا،
وحرَّضتِ العواصفَ كلَّها أجنادا
هتكتْ خيامَ اللهِ بالنيرانِ،
فانبغتِ المصاحفُ في الرياحِ رمادا
ورأتْ على الأجسادِ تاريخَ الإمامةِ،
فاستعدَّتْ تمحقُ الأجسادا
ونَوَتْ:
إذا قمرُ الهواشمِ لاحَ؛
فازدَحِموا على الضوءِ المهيبِ جرادا
والْوُوا الأعنَّةَ للحسينِ
وأحرِقُوا حجبَ السماءِ وأرهِقوهُ جِلادا
فلقدْ أرادَ الماءَ يسرحُ في الحياةِ،
فحاذِرُوا مِمَّا الحسينُ أرادا
وتكدَّسوا ما بينَ جبهتِهِ وبينَ نداءِ جبرائيلَ
لو هوَ نادى:
الآنَ،
والحجرُ اليزيديُّ استراحَ
وأربكَ الأوتارَ والأوتادا
والآنَ،
والماشونَ ليسوا عابئينَ
أراحَ ليلٌ أمْ نهارٌ غادى
والآنَ،
أولادُ المروءةِ يُفرَغُونَ من الضميرِ
ويَشغلونَ وِهادا
والحربُ تجهلُهمْ
بما لا ينبغي أنْ تُنكِرَ الآباءَ والأولادا
لكنَّها أمويَّةُ الذكرى..
وما زالتْ سيوفُ أبي الحسينِ حِدادا
إذ كيفَ تنسى
يومَ أُرْغِمَتِ الجماجمُ أنْ تصيرَ لطعنِهِ أغمادا
وهَوَى أبو الأحرارِ..
لكنْ أَنهَضَ الآمالَ والآماقَ والآمادا
وهَدَى إلى تفسيرِ موقفِهِ،
فلاسفةَ المياهِ، ليتبعوهُ شِدادا
ولِينتَمُوا -وهمُ الجموعُ غفيرةً-
لمن ارتَمَوا في كربلاءَ فُرادى
ومن احتَمَوا بالموتِ
يرفعُهمْ إلى سقفِ الزمانِ، ليهدموهُ عنادا
وليرسموا ملءَ الحقيقةِ أوجُهَ القتلى،
تفيضُ شهادةً وجِهادا
وليكتبوا أنَّ الحسينَ
وإنْ توحشَّتِ السيوفُ على بنيهِ حصادا
لَهُوَ الأجلُّ من البقاءِ..
وما الهدى؟
لو لمْ يكنْ عقلًا لهُ وفؤادا..



