اخر الأخباراوراق المراقب

مبادئ عاشوراء.. الحرية في مقارعة الاستعباد

في المواجهات الحاسمة بين الإرادات والعقول، يبرز اتجاهان، أحدهما يميل نحو الخير، والثاني يذهب باتجاه الشر، وحين نذكر عاشوراء، يتبادر إلى أذهاننا على الفور، ذلك الاصطفاف العظيم لمبادئ الخير، متمثلاً بالحرية ضد الشر والاستعباد، فشتان بين الحرية والاستعباد، والفرق بينهما كبير وواسع، كالفرق الحاسم بين الخير والشر.

ومن يمثل الخير هم أولئك الثائرون ضد المحاولات المستميتة لاستعباد الناس، والهدف من ممارسة الاستعباد وإخضاع الناس واضح ومعروف، فجميع الطغاة والحكام الفاسدين يهدفون بكل ما يمتلكون من أدوات وخداع ووسائل ترغيب وترهيب وتضليل، لإخضاع الناس وسلبهم حريتهم وحقوقهم وتكبيل العقول بالجهالة والتجهيل المستمر، حتى يتمكنوا من تدجين البشر كي يخضعوا لهم وينفذوا ما يبتغونه منهم.

لذلك ثار الحسين “عليه السلام” ورفع لواء الحق، وأعلن منذ لحظة خروجه بأنه يريد استعادة الإسلام ممن خطفوه وأدخلوه في مسارات الانحراف، وهكذا كان المبدأ العظيم الذي سار في ضوئه الحسين “عليه السلام” هو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، والانتصار للحرية وإلحاق الهزيمة بـمن سعوا لاستعباد الناس وهم حكام بني أمية الذين ساروا بهذا المسار المخالف للشريعة وللفطرة الإنسانية، ولمشيئة الله تعالى ولدين محمد “صلى الله عليه وآله”.

ومن المشكلات المعقدة التي واجهت الإسلام والمسلمين، ذلك التعامل المخادع ليزيد، عندما سعي لدفع الإسلام في اتجاه منحرف، وفي الوقت نفسه، حاول أن يبيّن للناس بأن هذا هو الإسلام الصحيح، وهذا بالضبط ما يريده الإسلام، لكن عندما نأتي إلى تمحيص تلك التصرفات والسلوكيات نجد أنها منحرفة جملة وتفصيلا، والمشكلة الأكبر أن المسلمين يرون المنكر بأعينهم ولا يمكنهم الأمر بالمعروف والسعي لتغيير ووقف مصادرة الإسلام.

ماذا تعني المعارضة ضد الطغاة؟

لأن معارضة يزيد كانت تعني القتل المباشر أو التشريد أو الزج في السجون، وهذا ما جعل الناس تخشى مواجهة هذا الانحراف، كونه يصدر من أعلى سلطة تدّعي (الخلافة) أي خلافة رسول الله “صلى الله عليه وآله”، وهم براء من كل هذه الأعمال الغادرة.

وعندما خشيَ المسلمون مواجهة الانحراف، بادر الإمام الحسين “عليه السلام”، سبط الرسول “صلى الله عليه وآله”، وتصدى ليزيد، وأعلن خروجه على من سمّى نفسه (خليفة المسلمين) وهو يفتك بهم، ويستغل حقوقهم ويحرمهم من حرياتهم التي أوصت بها الشريعة والدين والنبي والائمة المعصومين، وهكذا بدأت المواجهة الكبرى بين الإسلام الحقيقي الذي مثله الإمام الحسين، وبين الإسلام المزيَّف الذي مثله يزيد.

فكان لابدَّ من وقف حالة التدهور التي تعرضت لها دولة المسلمين على يد يزيد، ولابدّ من إيقاف عجلة الانحراف التي أخذت تدور بسرعة جارفةً معها حريات الناس وحقوقهم، وأخذت تكبر عجلة الخطيئة الأموية، وكل هذا يحدث باسم الإسلام، ولكن ليس إسلام النبي محمد “صلى الله عليه وآله”، بل هو إسلام محرَّف لا يمثل المسلمين المؤمنين مطلقاً، مما جعله هدفاً للإمام الحسين “عليه السلام” الذي كان مستعداً لتقديم نفسه لإنقاذ الإسلام والمسلمين.

وهكذا صارت الحرية الهدف الأسمى والأعلى للإمام الحسين في قضية خروجه من الحجاز، وأعلن من دون تردد بأن استرداد الإسلام من قبضة يزيد بات أمراً لا تراجع عنه حتى لو بلغت التضحيات أقصى المديات، وهل هنا أكبر وأكثر من التضحية بالنفس وبالأهل وبأقرب الناس للحسن، كل هذا كان الهدف الكبير يستحقه، وكان الحسين وذريته وصحبه الأطهار الكرام على استعداد تام لتقديمه في سبيل الله وإحياء الإسلام والحريات المسلوبة.

عاشوراء وإحياء الحريات

وكانت الحرية الإسلامية أهم الأهداف التي يجب استردادها، بعد أن منعها وشوَّهها يزيد واستمرأ البدع، وشوّه الأحكام الدينية بحسب مصالح السلطة وتثبيت العرش، كل هذا لكي يذل المسلمين، ولكن أنّى له ذلك والثوار له في المرصاد.

تلك الأهداف التي عرفها الإمام الحسين ودرسها جيداً كونه يعرف من هم بني أمية وما هي مآربهم، لذا في الوقت نفسه علَّم مؤيّديه الذين رافقوه طريق الرفض حتى نهايته وبلغوا أرض كربلاء وخاضوا معه “عليه السلام” معركة الطف ببسالة وشجاعة يندر وصفها.

وكانت الحرية التي وفَّرها الإسلام للمسلمين واستباحها الأمويون، هدفاً سعى لاسترداده الثوار، بينما كان يزيد وأدواته يسعون بكل السبل لكي يمارسوا الإذلال ضد الثوار، ولم يتحقق لهم هذ مطلقاً، فالثائر الذي لا يتردد قيد أنملة في تقديم الغالي والنفيس لاسترداد الحرية الإسلامية، لن يتمكن الطغاة منه، ولا يمكنهم مجاراته في قوة الإيمان والثبات على المبدأ.

وخلاصة ما تقدّم، أن الحرية والدين صنوان متلازمان، ولا يمكن أن يتناقض أحدهما مع الآخر، لأن الدين هو مصدر الحرية وهو الذي كفل حمايتها، وقدمها للمسلمين على طبق من إيمان، لذلك فإن الدين ينافي ويجافي المحرمات بكل أنواعها، ويدعم الحريات التي تبني شخصية الإنسان وتمنحه مصادر القوة والاستقرار والاعتدال والثبات على القضية.

وهكذا يتضح لنا ولغيرنا من هم أعداء الحرية، ومنهم الذين يستغلون الشعوب، ويقمعون الحريات ويصادرون الآراء، وينشرون الظلم في كل مكان يصلون إليه، ويمارسون الاستبداد بأقصى درجاته، ويكبتون الحريات بلا تردد.

وأخيرا، لقد اتضحت لنا مبادئ الإمام الحسين “عليه السلام”، من لحظة خروجه من الحجاز حتى لحظة استشهاده في أرض كربلاء، وهذه المبادئ هي نفسها مبادئ عاشوراء، التي تضع حرية الإنسان في المقدمة، وتمنع عنه الإذلال، وتحصّنه بالقيم الصالحة، وتحميه من ظلم الحكام الطغاة، وتعلّم الجميع كيف يثورون ويرفضون ويسترخصون النفس والدم، من أجل الحرية والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى