اراء

خوف أمريكي من انهيار نظام الشرع في دمشق

بقلم: جمال واكيم..

مثَّل انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 نقطة تحول في تأريخ سوريا الحديث. فعلى مدى أكثر من عقد، تمكّن الأسد من البقاء في الحكم على الرغم من الحرب الدولية التي شُنت ضدّه بدعم من الولايات المتحدة. إلا أن عددًا من العوامل، كان من ضمنها الانهيار الاقتصادي، نتيجة العقوبات الغربية، وتفكك بنى الدولة، نتيجة طول أمد الحرب، أدى إلى انهيار سريع ومفاجئ في أواخر 2024. ومع حلول منتصف 2025، تجد سوريا نفسها في مرحلة انتقالية هشة، وسط فراغ في السلطة، وتعدد في مراكز الحكم، وغياب واضح لأي خارطة طريق مستقبلية واضحة.

ويجمع معظم المحللين الغربيين على أن سقوط الأسد أزال عائقًا رئيسًا أمام التغيير السياسي الذي كان يريده الغرب أن يكون في صالحه. إلا أن استقرار النظام الجديد لا يزال موضع شك كبير. وهذا يشكّل العامل الأساس الذي يدفع الولايات المتحدة إلى استعجال إقامة سلام بين سوريا و”إسرائيل” من جهة، ويجعلها تضغط لنزع سلاح المقاومة في لبنان من جهة أخرى؛ بغية تأمين هيمنتها على المشرق للانطلاق نحو تدعيم نفوذها في مواجهة الصين وروسيا في منطقة جنوب القوقاز ووسط آسيا.

ويقدر المحللون الغربيون أن سوريا منقسمة حاليًّا إلى ثلاث مناطق رئيسة، بما يصفونه بالسوريات الثلاث. فسوريا الأولى التي تضم سوريا الغربية والوسطى تقع تحت هيمنة الحكومة الانتقالية في دمشق. وتضم هذه المنطقة دمشقَ وحمصَ وأجزاءً من حلب وحماة. إلا أن هيمنة الحكومة الانتقالية على هذه المناطق محدودة، وتعتمد بشكل كبير على الدعم اللوجستي والمالي الدولي في ظل هيمنة العصابات المسلحة التي كانت منضوية تحت قيادة أبي محمد الجولاني أو أحمد الشرع على المناطق الريفية، عاملة فيها بالقتل والنهب.

أمّا منطقة شمال شرق سوريا، فهي لا تزال تحت حكم الإدارة الذاتية بقيادة الأكراد المدعومين من الأمريكيين بالدرجة الأولى. وتسيطر على هذه المنطقة حال من التوتر الكبير بين الأكراد من جهة والعشائر العربية من جهة أخرى، خصوصًا في الرقة ودير الزور، حيث يشكو العرب من هيمنة الأكراد على موارد المنطقة الغنية بالنفط، والتي كانت تشكّل الخزان الغذائي لسوريا بأكملها.

أما منطقة شمال غرب سوريا، فهي خاضعة لسيطرة الفصائل الأجنبية المدعومة من تركيا، حيث تتعرض المناطق العلوية لمجازر منهجية من قبل هذه الجماعات، إضافة إلى كون الوضع في إدلب وشمال حلب مناطق توتر قابلة للانفجار في أية لحظة.

وتحذر مراكز الدراسات الأمنية الغربية؛ مثل مؤسسة “راند” و”مجموعة الأزمات الدولية” من أن التهديد الأكبر لاستقرار سوريا ما بعد الأسد يتمثل في ظهور نظام ميليشياوي لا مركزي تقوده قوى محلية متناحرة فيما بينها.

وتحذر هذه المراكز أيضًا من إمكانية “عودة النفوذ الإيراني” عبر مجموعات مسلحة علوية، يمكن أن تتشكّل للدفاع عن القرى والبلدات العلوية التي تتعرض للجرائم من قبل الميليشيات التابعة للنظام الجديد. كما تحذر من “فصائل مدعومة من إيران” لا تزال تسيطر على ممرات لوجستية في جنوب سوريا وعلى الحدود مع العراق.

إلا أن المراكز الغربية تعتبر أن الخطر الأكبر يكمن داخل الجماعات الداعمة للنظام الحالي، ومن ضمنهم زعماء حرب سابقون باتوا يسيطرون على جزء كبيرة من السوق السوداء خصوصًا في مجال قطاع مواد البناء. وعلى الرغم من الجهود الغربية لتوحيد زعماء الحرب والميلشيات الداعمة للشرع في بنية مؤسساتية مستوحاة من نموذج البوسنة بعد اتفاقية دايتون فإن النتائج في هذا المجال تكاد لا تذكر.

وما يفاقم من احتمالات عدم الاستقرار هو أن الاقتصاد السوري في حالة انهيار شبه تام. ورغم تعهدات بالمساعدات في “مؤتمر جنيف للسلام” في شباط 2025، فإن التمويل لا يزال مشروطًا بالإصلاح السياسي. وقد انعدمت فعليًا قيمة الليرة السورية، والتضخم بلغ مستويات مدمّرة، علمًا أن رواتب القطاع العام متوقفة في معظم المناطق. وتُقدِّر مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حاجة سوريا إلى أكثر من 350 مليار دولار لإعادة الإعمار، في ظل تردّد الغالبية الساحقة من المانحين المحتملين.

كل ذلك يعمّق خطر تحول سوريا إلى دولة فاشلة، تعتمد بشكل دائم على المساعدات الخارجية دون وجود اقتصاد وطني مستدام، وهذا ما يهدّد المشاريع الأمريكية لضمان استقرار منطقة المشرق تحت هيمنتها، بما يسهم في تآكل الإنجاز الاستراتيجي الذي حققته واشنطن ومعها “تل أبيب” وأنقرة، والمتمثل بانهيار النظام السوري بقيادة بشار الأسد، مع ما يشكله ذلك من احتمال عدم قدرة الأمريكيين على تنفيذ أجندتهم والسماح لقوى تناوئهم وعلى رأسها إيران وحزب الله ومعهما محور المقاومة بترميم جبهتهم استعدادًا لمواجهة جديدة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى