اخر الأخبار

السومريون مرّوا من هناك

كل صباح أتصفح وجوه الصحف والجرائد اليومية ، تختنق صفحاتها في صور الشهداء الأبطال ، هي ذات الوجوه التي رسمتها عيني منذ ولدت ومنذ كانوا معي على مصاطب الدراسة وعلى وجوههم إرتسمت علامات الموت المبكر وهم ما زالوا براعم يانعين ، هي ذات النعوش التي كانت تتقاطر على مقابر المدن وأنا أشاهدها منذ نعومة أظفاري حتى شعرت يومها أن ملك الموت لنا وحدنا فقط ، فاختار ان يعيش بيننا ويرزح على صدورنا دون سوانا من البشر ، هي ذات الأجساد السمراء التي رأيتها في المعتقلات والسجون ، وهي ذاتها التي سكنت معي في البراري و في عراء الصحاري ، وهي ذات النفوس التي رحلت وهي تتزاحم على مقاصل الأعدام ، وتصعد الى بارئها ومازال في أعناقها ديون ، تركت سدادها للورثة من الأولاد والأحفاد ، ليعتلوا المشانق من بعدها كدين دون مقابل ولا يسقط عن صاحبه ولا ينقضي ..هم ذاتهم الجنود ذوي السحنة السومرية ، والعيون السوداء ، والبشرة التي أحترقت في لهيب الشمس ، والذين ينطقون بلهجة ألسنتهم المميزة التي تفضح هويتهم الجنوبية ، فيتندر من حولهم الآخرون باحتقار وأستعلاء فارغين ، وهم ذاتهم الجنود الذين كنا نزاحمهم في محطات القطار وفي مقاعد السيارات ، فيتركون أماكنهم لنا ، فيتمددون في الممرات أو فوق أسطح القطارات ، او يظلون واقفين على أرجلهم طول الطريق ، دون تعب أو كلل ، هم أنفسهم الذين رأيتهم في المنافي ومراكز اللجوء مطرودين من الوطن ، وهم الذين ينبشون في المزابل عن علبة فارغة ، ويسكنون في الحواسم ، وهم الذين غادروا الحياة ، فذهبوا بأرواحهم ، يطردون الظلام على الحدود ، ويكسرون شوكة البرابرة ، بعد أن خلد المنعمون في قصورهم ، فثبت الأسمر في مكانه ، ليمسك الأرض بأسنانه.
Kitba Mohammed Mohammed

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى