اخر الأخباراوراق المراقب

الحسين (ع) ينتصر

عباس الصباغ

كان الإمام الشهيد (ع) يريد اصلاحاً استراتيجياً لكل مفاصل ومحاور الحياة والمجتمع على طريقة جده الرسول (ص) الذي فتح أبواب الحياة الكريمة لأناس عاشوا الجاهلية بكل ادرانها ومفاسدها وظلاماتها وحيثياتها المرعبة، وليس كما يتوهم البعض من المؤرخين، ان حركة الإمام الشهيد (ع) كانت من أجل السلطة.

يتوهم الطغاة ومستعبدو الشعوب، انهم بالقضاء على الحركات التحررية والتنويرية والجهادية، قد ساهموا بقمعها والتخلص منها الى الأبد، ولا يدرون انهم قد ساهموا بمنحها حياة جديدة خاصة وخلوداً خاصاً بعد اضطهادهم لشهداء تلك الحركات، وكما أعلن الإمام الشهيد “عليه السلام” عن برنامجه الاصلاحي التنويري الشامل في رسالته المقتضبة لأخيه محمد ابن الحنفية (رض) (انّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي مـحمد (ص)، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي مـحمد (ص) وسيرة أبي علي بن أبي طالب)، ونتيجة للصلابة في الطرح، فقد جوبه برد عنيف وقاسٍ ووحشي من أزلام السلطة الأموية، أدى الى تلك النهاية المأساوية له باستشهاده ولجيشه الصغير المكون من جماعة من أهل بيته وبعض الاتباع المخلصين على أرض كربلاء سنة 61 هـ.

المعركة غير المتكافئة انتهت بإبادة ذلك الجيش الصغير الذي كان الإمام الشهيد (ع) على رأسه وانتهت سويعات يوم الطف الدامي، لكن القضية قد بدأت واستمرت ولم تتوقف، لان البرنامج الذي أعلنه الإمام الشهيد (ع) لم يكن مجرد شعار استهلاكي يراد منه كسب الاتباع أو لمصلحة سياسية دنيوية بحتة، فهو برنامج اصلاحي شامل وعلى جميع الصعد والمجالات، ابتداءً من قمة الهرم السياسي الفاسد وليس انتهاءً بتفاصيل الأسرة والمجتمع التي شابها الكثير من التشوهات والانحرافات.

كان الإمام الحسين (ع) يريد اصلاحاً استراتيجياً لكل مفاصل ومحاور الحياة والمجتمع على طريقة جده الرسول (ص) الذي فتح أبواب الحياة الكريمة لأناس عاشوا الجاهلية بكل ادرانها ومفاسدها وظلاماتها وحيثياتها المرعبة، وليس كما يتوهم البعض من ان حركة الإمام الشهيد (ع) كانت من أجل السلطة حين بايعه أهل الكوفة بأن (أقدم فقد أينعت الثمار وأخضرّ الجناب وانما تقدم على جند لك مجندة)، وحين وصل الى كربلاء وجد الأمر مقلوباً، فلم ينل السلطة وكان عازفاً عنها كأبيه علي بن ابي طالب (ع) حين بايعه المسلمون جميعهم.. قال لهم: (اتركوني والتمسوا غيري) واعرضَ عنهم، وبعد الحاحهم الشديد قبل العرض منهم خشية من ان تؤول الأمور الى غير الكفوء وهكذا كان الإمام الشهيد (ع) سائراً على خط أبيه.

الانتصار الزمني والعاجل بسحق ثورة الحسين سحقاً لا أخلاقي، لا يعني ان الثورة انتهت فهي لم تنتهِ، بل فتحت الباب مشرعاً أمام الكثير من الثورات والانتفاضات الجهادية والاستشهادية كلها استمدت من ثيمة استشهاد الحسين (ع) ومن ثيمة كربلاء والطف الكثير من البرامج والشعارات والأخلاقيات، وإن لم تحظَ أغلبها بالنجاح بعد ان قدمت الكثير من التضحيات والدماء والارواح، لكنها تعلمت من الحسين ذلك الشعار الخالد (هيهات منا الذلة) وتعلمت كيف ينتصر الدم المسفوح على السيف الظالم، فانتصرت كما انتصر الحسين بدمه، وخاب الظالمون من أزلام السلطة الجائرة والفاسدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى