مشهد من طف كربلاء

قاسم العابدي
وقف الجمعانِ أمام بعضهما، جمعٌ تجسدت به صورة الحق منذ بداية الخليقة إلى نهاية الزمان، وجمعٌ رسمته أصابع الباطل والجور، جمعٌ يقوده القرآن الناطق، وجمعٌ يقوده سليل الناكثين والقاسطين والمارقين، العدد والعدة، ومتى كان العدد دليلاً للنصر:
لو لم تكن جُمّعت كل العُلا فينا
لكان ما كان يوم الطف يكفينا
يوم نهضنا كأمثال الأسود به
وأقبلت كالدبى زحفاً أعادينا
جاؤوا بسبعين ألفاً سل بقيتهم
هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا.
نظر وجه الله الذي منه يؤتى إلى جموع الأعداء، استرجع في ذاته دمعت عين قلبه رأفةً ورحمة، لله أنت يا وارث الأنبياء ماذا تحمل في صدرك، قلباً أرق من وريقة ورد؟ وأنت في هذا الموطن تأخذك الرحمة على من يريدون سفك دمك لله أنت يا رحمة الله الواسعة.
وقف الفارس الذي وضعت السماء ثقتها به أمام الذين يريدون قتاله وخاطبهم: (تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم. فهلا ـ لكم الويلات ـ تركتمونا والسّيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلِم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئِي السُّنَن، ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون! أجل والله غدرٌ فيكم قديم وشجت عليه اُصولكم وتأزّرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة، شجى للناظر وأكلة للغاصب).
(ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين؛ بين السّلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام من مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الاُسرة على قلّة العدد وخذلان النّاصر).



