اخر الأخبارثقافية

ابي الفضل العباس في السلام الوجودي: من الذات إلى العبد الكامل

حيدر الأديب..
يبدأ الإمام الصادق عليه السلام زيارته لعمه العباس عليه السلام بسلام يتجاوز الحدود اللغوية إلى آفاق الوجود الكلي:
“سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وعباده الصالحين وجميع الشهداء والصدّيقين، والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يا بن أمير المؤمنين”.
يمثل السلام هنا فعلا كينونيّا، هو اعتراف الوجود بنفسه في مرآة العباس، وانكشاف للمطلق في هيئة بشر تسامى حتى صار صالحًا لأن تتنزل عليه تحايا الغيب، من الله حتى أصغر ذرة طاهرة في الكون.
فـ”سلام الله” هنا يتجاوز كونه تحية، بل يُقرأ كـ”تجلٍّ”، وكلمة من كلمات الله الكونية التي لا تحتاج إلى حرف، لأن الله إذا سلّم على عبد، فذلك يعني أنه أفاض عليه حضوره، لا أمانه فقط. وقد بيّن ابن عربي في فصوص الحكم أن السلام الإلهي هو حالة من الكشف، فالله يسلم على من لبس نوره، وعلى من صار مهيّأً لاستقبال إشراقه، لا من يطلب النجاة فحسب. والعباس، كما يظهر من هذا السلام، لم يكن طالب نجاة، لأنه هو بذاته فاعلًا في قدر الوجود نفسه، وواعيًا لموقعه ضمن نسيج المقاصد الإلهية.
تتوالى مستويات السلام كما لو أننا أمام نظام هرمي للوجود: الله، الملائكة، الأنبياء، الصالحون، الشهداء، الصدّيقون، والزاكيات الطيبات. وكل مرتبة ليست سوى تجليات لتراتبية المستويات وعوالمها لنور الحقيقة عبر وسائط تتنزّل على العباس، لا تكريماً لشخصه، بل لأنّه بات نقطة التقاطع بين التاريخ والقدس، بين الدم والاسم، بين الفعل والجوهر. في التكوين الأفلاطوني للعالم، هناك تراتبية صارمة للوجود تتناسل من الواحد، وتعود إليه، والعباس في هذا التصور هو نقطة “العودة المُتجلية”، لا بوصفه رمزًا، إنما لأنه عاش لحظة الفناء في المطلق، والتحق به من داخل الفعل، لا من خلال الفكرة.
ولعلّ ما يجعل هذا السلام حدثًا فلسفيًا، لا دينيًا فحسب، أنه لا يستدعي من الزمن ما مضى، إنما ما يتكرّر كأنفاس كونية: “فيما تغتدي وتروح”. هذه العبارة البسيطة هي تقويض جذريّ لفكرة الزمن الخطي. العباس، بحسب لسان الإمام، ليس حادثة، فما يمكن استنتاجه من هذه الزيارة ان العباس هو كائن في الزمن المقدّس، في الزمن المتكرر، المتجاوز للسرد، حيث تشتغل اللحظة كثابت في ديمومة الوعي. هذا ما وصفه برغسون بـ”المدة الخالصة”، حيث لا يقاس الزمن بالشعور، بالكينونة، بالاتصال بين الداخل والخارج، بين الإنسان وما يتخطّاه. فالعباس إذًا ليس فقط حاضرًا في وجدان الموالين فحسب، هو تجلٍّ مستمرّ لبرهة لم تغب قط.
ثم إن الذكر المقترن بـ”الزاكيات الطيّبات” لا يمكن فصله عن المفهوم الأخلاقي الأقصى. العباس هنا طاهرٌ في أصل تكوينه، منسجم مع الخير الأقصى الذي عرّفه كانط بأنه إرادة حرة تختار الصواب دون مقابل. وما جعل العباس مستحقًا لهذا السلام، ليس القرابة، ولا البطولة، بل قدرته على اجتراح الطهارة في لحظة كان العالم فيها ملوثًا بالخذلان والدماء والأصنام البشرية. فالطهارة هنا ليست بيولوجيا النسب، بل هي أخلاقية الموقف. بل تمظهر الفعل الإلهي
وفي صميم هذا كله، يظهر البعد الأعمق: كيف يكون إنسانٌ مثل العباس مركزًا لتقاطع العوالم؟ إن هذا السلام الذي يسري من المطلق إلى النسبي، من العلو إلى السفح، هو في ذاته كشف عن أن العباس قد أصبح جسراً معرفيًا بين عالم الملك والملكوت. مؤديا في لحظة الصمت الكبرى دور “الوسيط الكوني”، ذلك الذي تتلاقى فيه العوالم لتستنير به. هذا التصور، القريب من طرح هنري كوربان عن “الإنسان الكامل”، يضع العباس في موضع من حقق التوازن بين العقل النبوي والحضور الشهودي.
استظهار خصوصية كونه جسرا بين الملك والملكوت هي مقولة الأمام الحسين عليه السلام له ( أنت حامل لوائي ) فهنا الحسين شاهد والعباس مشهود بوصفه السر بين الملك والملكوت
وهكذا يتبدّى لنا أن زيارة الإمام الصادق للعباس، في مطلعها فقط، كانت بيانا أنطولوجيا يعرّفنا بالعباس كما تراه السماء لا كما يراه التاريخ. فالعباس لم يكن أثرًا، كان فاعلية. وصورة مكتملة عن الإنسان حين يبلغ حقيقته. وفي هذا السلام، لا نجد التحية، إنما يكشف لنا اعتراف الوجود بأن العباس قد بلغ تخوم الكمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى