اخر الأخبارثقافية
“رحلة الرعب” القصة الحائزة على المركز الأول في مسابقة سبايكر
صابر المعارج..
أزيز رصاص، يمزق خواصر الآفاق، غبار، يطاول عنان السماء، عربات على مد البصر، مدججة بمختلف الأسلحة، تلتف حولنا بسرعات جنونية، نتانة غدر وقباحة خذلان يعج بهما المكان.
……….
يزأر الأسد الرابض في أعماقي: – أيها الخنازير! دعوا الجميع يرحل بسلام وافعلوا بي ما أنتم فاعلون!
دوى صوت رصاص، سقطت على وجهي في ساقية ضيقة، عبرت على أكتافي، أفواج أقدام مضطربة، غبت في زوبعة الغبار.
لا أدري كم ذبيح قطعت أواجه، قبل أن استعيد وعيي؟!
فالوقت حينذاك، يحسب بالجثث، لا بالثواني.
يداي مكتوفتان، عيناي معصوبتان، صوت نسائي، ربما يرد على سؤال لم اسمعه:
- لأقطعنّه إربا إربا، لأشفينّ غليلي!
،ثم همس الصوت النسائي نفسه في أذني: - انهض بسرعة!
ويد سحبتني من ذراعي، وألقت بي على سطح حديدي لاهب، ثم انهالت علي حزم من الحطب، غطتني تماما.
إذن هناك من حزم أمره على حرقي، على اغلب الظن، وسيحرقني، كما يحرق بعض الهنود موتاهم، بيد اني لم أمت بعد، وإن مت هنا، فلا وريث لرمادي!
أواه يا أمي! ستلتهم النيران جسدي حيا…
أدير محرك سيارة، ها أنا إذن أساق إلى المحرقة!
وانطلقت رحلة الحرق، أو التقطيع، كما توعدني الصوت النسائي، لا فرق، كلتي الطريقتين مسار بشع إلى النهاية…
ثمة سكين حاد لامع، ستقطع أوداجي أولا، وربما أطرافي أو ستغرز في قلبي، لا أدري.
لا لا… عود عود ثقاب أكثر ملائمة حين تعتزم الانتقام منك امرأة! وستأتي علي النار شيئا فشيئا، حتى تحيلني رمادا.
تناهى إلى مسامعي هديل حمام، زقزقة عصافير، حفيف أشجار وهدير ماء، إذن هاهنا حياة نابضة، ترى من قرر أن لا نحياها؟!
ومن ذا الذي جعلنا كباش فداء، ورمانا في آتون محرقة؟
ومن أجل ماذا؟
فجأة توقفت السيارة، أطفئ أزيز محركها.
لاريب إنّ دمي الحار، سيتفجر، أو تأتي علي النار، فأحال رمادا!
أُزيح عني الحطب، فُك عصاب عيني…
امرأة جاوزت الأربعين بقليل تقاطيعها الحادة تظهرها في منتهى القوة والحزم، في يمينها شهرت سكينا حادا لامعا!
إذن سأكون شاهدا على تقطيعي إربا، إربا!
وبيسارها أمسكت كتفي، فرت كل جسدي بحركة خاطفة، أظنها ستحز رأسي من القفا!
قطعت بسكينها الحاد، وثاق يدي، وهمست: - انزل بسرعة!
ودفعت نحوي شيئا من النقود، وبعض الطعام وأردفت: - بني هذه مشارف بغداد، انطلق بسرعة، ولا تنتظر أبدا!
وبلمح البصر، اختفت بسيارتها، بين الأشجار والأحراش، وحتى اللحظة بي توق شجي يشدني لأصرخ بها: - لا تنسني يوما يا أمي…!



