“وادي الفراشات” بغداد مدينة يعشش فيها الموتبعد الاحتلال الأمريكي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
تعد رواية “وادي الفراشات” الصادرة عن دار الرافدين عام 2024، واحدة من الروايات التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، وفيها يواصل الكاتب أزهر جرجيس أسلوبه الساخر واللاذع في انتقاد ما يراه من مشكلات واجهها ويواجهها الإنسان العراقي، ويوم أمس الجمعة، ناقش نادي الكتاب بالعاصمة الأردنية عمان هذه الرواية وألقى الضوء على مضمونها، ونادي الكتاب يضم في عضويته أكثر من 60 سيدة، وقد تم تأسيسه بمبادرة من السيدة رواند أرشيد أبوهنطش، يناقش النادي روايات لمؤلفين أردنيين ومن الوطن العربي، بمعدل كتاب أو كتابين كل شهر، بالإضافة إلى أنشطته الثقافية والفنية الأخرى.

ومن جهته، قال الناقد علي عبد الرحمن في تصريح خص به “المراقب العراقي”: ان رواية “وادي الفراشات” تحكي قصة مواطن عراقي لديه تأريخ طويل من النحس الذي لازمه من بداية حياته الى مراحل حياته المتأخرة، منذ أن درس المسرح بدلا من الطب، لأن الروايات في مكتبة خاله ضيعته، وحين تخرّج من الجامعة وفتش طويلا عن عمل بلا جدوى، أدرك «أن الشهادة الجامعية، في بلد يضرب الجوع خاصرتيه، هي أدنى قيمة من المسمار الذي يشدها إلى الحائط والروائي في ذلك أكد حالة كان يعيشها عدد كبير من الخريجين الباحثين عن عمل”.
وأضاف: إن “بطل الرواية رغم أنه تزوج بالفتاة التي أحب، إلا أن حياتها معه كانت كارثية فقد أسكنها في بيوت أشبه بالخرابة، وهي ابنة تاجر ميسور والفقر يقتل الحب، وأجهضت مرتين وفي الثالثة ولدت ابناً بقلب معيوب اختُطف وهو يلعب أمام خرابتهم، وهو في هذا المعنى أعطى تجسيداً آخر للنحس الذي لازم الشخصية الرئيسة ولم يستطع الهروب منه على الرغم من محاولاته المستمرة”.
وتابع: إن “شخصيات الرواية بائسة وتعيش في ظلام الواقع المأساوي الذي يحيط بها ولعل الشخصية المضيئة الوحيدة في الرواية هي «جبران» خال عزيز وهو صورة مصغرة عن العراق، قبل أن تحل به كل هذه الكوارث هذا المكتبي المثقّف يمثل أنموذجاً للعراقي الأصيل الشهم المحب للحياة، وهو في الرواية الملاك الحارس لابن أخيه نجده عند كل مصيبة حاضراً ليخفف من آثارها، فمرة يبيع دكاناً يستفيد من إيجاره لأجل إخراج عزيز من السجن، وأخرى يوظف عزيزاً في مكتبة في زمن انصرف الناس فيه عن الثقافة”.
وتقع الرواية بنحو 215 صفحة، لغتها قوية، أو هي أقرب إلى السهل الممتنع، ممتعة وتزخر بالسخرية؛ سخرية المواقف في حالات البؤس والشقاء والتعثّر وسوء الحظ الذي رافق شخصية الرواية الرئيسة عزيز عواد. يأخذنا الكاتب عبر رحلة حياة عزيز عواد، منذ كان في سن الثالثة عشرة، إلى أن دخل كلية الفنون الجميلة وتعرّف إلى حبيبته ثم زوجته تمارا، التي تركته بعد أن رافقه سوء الحظ طوال حياته، إلى اللحظة التي يفقد فيها الأمل وينوي الانتحار، لكنه لا ينتحر ويُفتح له باب الأمل من جديد.
تبدأ الحكاية في عام 1999، حين كان حزب البعث هو النظام الحاكم، وتنتهي في عام 2024، وخلال هذه السنوات، تكون شخصية عزيز عواد شاهدة على التغيرات السياسية والاضطرابات التي عصفت بالعراق في تلك الفترة.
ويدخل الكاتب في تفاصيل السياسة والتحولات التي طرأت على البلاد بعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط الطاغية صدام، على الرغم من الإشارات والدلالات بين السطور خلال الفترة التي رافقت رحلة حياة عزيز، ما يجعلها رواية إنسانية بحق وفي خطٍّ موازٍ لشخصية عواد، هناك شخصية خاله جبران، صاحب المكتبة، حيث شكّلت تلك المكتبة وكتبها عنصرًا رئيسًا في حياة عزيز، كان من المفروض أن يذاكر دروسه فيها، ولكنه، بدلاً من ذلك، كان يقرأ الكتب المتوفرة فيها خلسة عن خاله. والشخصية الأخرى التي كانت محورية، ولو في صفحات متأخرة من الرواية، هي شخصية النقّاش، الذي كان يحمل جثث الأطفال المتروكين – المهملين والمهمّشين – ويدفنها في مقبرة بعيدة أطلق عليها “مقبرة وادي الفراشات”، وفيها تتحول جثة كل طفل يدفنه إلى فراشة تطير في الفضاء.
وتشير هذه المقبرة، بدلالة رمزية عميقة، إلى المهمشين والمنبوذين الذين يرذلهم المجتمع لسبب أو لآخر، إذ بعد أن كانت بغداد مدينة الحضارة الجامعة والثقافة والأدب والفن، أصبحت بعد الاحتلال الأمريكي مدينة يعشش فيها الموت.



