اراء

لا مغامرة مع أرنولد!

حيدر السعد..

مع اقتراب المواجهة المصيريّة أمام كوريا الجنوبيّة، يعيش الشارع العراقي حالة من الترقب المشوب بالأمل، بعد أن تسلّم المدرّب الأسترالي “غراهام أرنولد” دفة قيادة منتخب “أسود الرافدين” خلفًا للإسباني “خيسوس كاساس” الذي لم يتمكّن من تحقيق الاستقرار الفني المنشود في التصفيات الآسيويّة المؤهّلة لكأس العالم 2026.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هل ينجح أرنولد في إصلاح ما أفسده سلفه، وهل يستطيع إعادة إحياء الحُلم العراقي الذي طال انتظاره؟

كاساس لم يكن مدرّبًا معروفاً، حين قدِمَ إلى بغداد، جاء مُحاطًا بآمال مشروع طويل الأمد، لكن الواقع اصطدم بجملة من العراقيل مثل غياب الانسجام وتغييرات مستمرّة في التشكيلة وضبابيّة في النهج الفني، كلّها عوامل أسهمت بضياع نقاط حاسمة وأداء غير مقنع! رحيله لم يكن مفاجئًا، بل بدا كأنه خطوة ضروريّة للبدء من جديد بعقليّة مغايرة واستجابة أسرع للتحدّيات المتسارعة.

في المقابل، أرنولد ليس بغريب عن الضغوط ولا المواقف الصعبة! فهو من قاد منتخب أستراليا إلى مونديال قطر 2022 في ظروف استثنائيّة، وحقق نتائج لافتة رغم الشكوك! أما تسليمه زمام الأمور في العراق لا يبدو مغامرة بقدر ما هو رهان محسوب على خبرته وقدرته على خلق فريق منظّم ومتحفز، خاصّة أن المنتخب العراقي يمتلك عناصر شابّة وواعدة، لكنها تحتاج إلى قيادة فنيّة تعرف كيف توظفها وتبني عليها.

ورغم صعوبة المواجهة مع خصم بحجم كوريا الجنوبيّة، فإن التحدّي الأكبر أمام أرنولد يتمثل في كسب ثقة اللاعبين بسرعة، وصياغة توليفة جماعيّة تؤمِن بحظوظها حتى اللحظة الأخيرة.

التأريخ القريب للكرة العالميّة شهد نجاحات مماثلة لفرق غيّرت مدرّبيها في توقيتات حرجة وتمكّنت من قلب المعادلة، مثل اليابان والجزائر والسعودية، الفارق الحقيقي في مثل هذه التجارب كان دائمًا في سرعة التفاعل وحسن استثمار الوقت المتبقي، فالعراق لا يعاني قلّة المواهب، بل من غياب الذهنيّة الفنيّة الصحيحة التي تخرج الأفضل من هذه الأسماء.

يضمّ المنتخب العراقي لاعبين قادرين على صناعة الفارق متى ما استُخدموا في مواقعهم الطبيعيّة وبأسلوب يخدم الفريق ككُلّ، أسماء مثل علي الحمادي أمير العماري، وجلال حسن وإبراهيم بايش، بالإضافة إلى المحترفين في أوروبا، تمثل قاعدة يمكن البناء عليها متى ما توفرت القيادة القادرة على خلق منظومة جماعيّة لا تعتمد فقط على المهارات الفرديّة.

ولا يمكن إغفال دور الجمهور العراقي، الذي طالما كان اللاعب رقم 12 في الميدان، حضوره الكبير في المدرّجات، سواء في البصرة أو بغداد، لا يعكس مجرّد شغف رياضي، بل هو تعبير وطني عن هويّة وانتماء، فأرنولد بحاجة إلى توظيف هذا الحضور الجماهيري الهائل لبثّ الحماسة والروح في الفريق، وتذكير اللاعبين دومًا بأنهم لا يلعبون لأنفسهم فقط، بل من أجل ملايين ينتظرون منهم الفرح والانتصار.

وفي هذه المرحلة الحسّاسة، يظهر دور الإعلام الرياضي كمكوّن فاعل لا غنى عنه، والمطلوب الآن خطاب واعٍ ومسؤول يدعم المنتخب دون تهويل أو تشكيك، ويركّز على التحليل المهني البعيد عن الانفعالات، والإعلام قادر على أن يكون حليفًا في المعركة، لا عبئًا إضافيًّا على كاهل اللاعبين والجهاز الفني.

ورغم صعوبة المهمّة وتعقيداتها، فإن الحُلم لا يزال ينبض بالحياة، كرة القدم كثيرًا ما كافأت من آمن بها وقاتل لأجلها. أرنولد أمامه طريق مليء بالتحدّيات، لكنه طريق يمكن عبوره بإرادة قويّة، وثقة متبادلة بين المدرّب واللاعبين، ودعم من الجمهور والإعلام،. فالطريق إلى كأس العالم لم يُغلق بعد، لكنه يحتاج إلى لحظة وحدة وطنيّة وإيمان لا يتزحزح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى