صفحات من جمهورية الفقراء جدار «سعيدة» وبرج بيتزا المائل


عبد الكريم إبراهيم
(سْعيدَة)، امرأة لا تملك من حطام الدنيا الفانية سوى نصف قطعة في مدينة الثورة، استطاعت أن تجمعها طابوقة طابوقة مما يسقط من الناس في الشارع، وأحياناً ما يفيض عن حاجاتهم، ولا سيما القطع الصغار “الكِسر”. اللافت للنظر ان هذه المرأة لم تضع يوما في قدميها حذاءاً، لدرجة ان “فطور” رجلها يمكن ملاحظتها بكل سهولة، بل ان “دوسة” القدم اصبحت من التماسك والقوة بحيث غدت عصية على اختراق اي مسمار او خشبة، مع عباءتها القصيرة التي لاتكاد تغطي سوى الركبتين وثوب اسود لا تعرف ملامحه من كثرة الاستخدام وعدم الغسل.
نصف قطعة “سْعيدَة” برغم انها حائط لا يعرف الاستقامة ويكاد يسقط على الذي يتكئ عليه، فقد بلغت درجة ميلانه اعلى من برج بيزا، مع هذا فان المكان لديها اجمل من قصور الدنيا، ربما لانه خالط تعبها وهي تشيد اركانه.
في يوم سقط جدار نصف قطعتها الخارجي، فبحثت عن “خلفة” بناء شاطر يعيده الى مكانه، ولان اغلب البنائين كانوا يهربون من ثرثرتها وسلاطة لسانها، لم تحصل على غايتها، وكل ما وجدته هو “خلفة” درجة عاشرة، ولا يستطيع ان يحمل طابوقة من جراء ثمله من الخمر طوال اليوم. بعد ان “ضرب الخلفة” الشاطر “ريوك” الصباح، شمّر عن ساعديه وبدأ العمل وهي واقفة على رأسه كالصقر، وبين وقت وآخر يحصل جدال ينتهي بمشادة كلامية، لتعود المياه الى مجاريها من جديد. امضى “الخلفة” وقتا طويلا وهو يهندس ويبني ويلغي هذا الجدار ويعيد بناءه، و”جمجة” البناء بيده، وبين دقيقة واخرى يخرج شاهوله كي يقيس درجة الميلان، حتى جاء العصر وانتهى اخيراً بناء جدار برلين! واخذ الرجل ” يوميته” من “سْعيدَة” بشق الانفس. وما كاد الخلفة الشاطر يصل بيته، حتى جاءت وهي تعربد وتزأر وتقول “وينه هذا المط….”!! تجمع اهل المنطقة على صوت “سْعيدَة” وهي ممسكة برقبة الرجل الذي غدا كأنه سعفة في مهب الريح، حتى قال اهالي المنطقة لها “لا يموت الزلمه باديج”، ليتضح بعدها ان الجدار المزعوم سقط بمجرد مغادرته المكان، وهكذا أعاد “خلفة” الدرجة العاشرة اليومية الى “سْعيدَة”، ليتبرع احد الخيّرين ببناء الجدار مجانا دفعا للفتنة التي قربت ان تقع.
يبدو أن من سوء الطالع ان يكون هذا الجدار عرضة للهدم من دون قصد، فعندما اشترى احد جيراننا سيارة نوع “رف”، وكان قليل الخبرة في القيادة، ما ان وصل الى حائط “سْعيدَة” حتى اصيب الرجل بالارتباك، ليدخل “كول” الى باحة الدار، وعندما رأت “سْعيدَة” هذا المشهد انفجرت وصبت نيران غضبها على السائق واهله وعشيرته. وبعد ان ذاق جملة من الكلام “المعسول” بطيب خاطر، تعهد امام الجميع باعادة بناء الجدار على احسن ما يكون، ولا سيما وان هذا الرجل كان “خلفة” من الطراز الاول وليس كسابقه.



