بين “العقلانية” السعودية و”الشرعية” السورية… حين يصبح ترامب أكثر وعياً من العرب

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي ..
في عالم السياسة العربية، مازال العقل الجمعي يكرر مأساة الذاكرة المثقوبة، يتنقّل بين التهليل لمغامرٍ أهوج، والتصفيق لعاقلٍ يُحسن فنون الانبطاح، فقبل سنوات، كان الإعلاميون العرب والجمهور المتحمّس يملأون الدنيا ضجيجًا في مديح المقبور صدام، حارس البوابة الشرقية كما أطلقوا عليه، وهو يقود العراق والمنطقة إلى حروب عبثية لم تورث غير الخراب والدمار، يومها، كان العقل في إجازة، وكانت الطبول تُقرع للمقامرة.
واليوم، المشهد يتكرّر ولكن بنكهة أكثر “أناقة”، الإعلام ذاته، وبعض الجماهير ذاتها، تطلق أوصاف “العقلانية” و”الحكمة الراجحة” على السياسة السعودية حينما استقبلت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استقبال الفاتحين، وزيّنت له الرياض كأنها عاصمة الإمبراطورية الإسلامية الحديثة.
قيل إنها سياسة براغماتية تخدم المنطقة، وتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح السعودية دورًا مركزيًا في معادلة الشرق الأوسط، لا أحد سأل من الذي يضع أولويات هذه المنطقة؟ ومن الذي يصوغ معادلاتها؟ وهل واشنطن حليفة أم قيّمة؟
لكن المضحك المبكي، هو الرد على فكرة الرئيس السوري “الجولاني” التي طلب فيها دعم واشنطن لمواجهة إيران، نعم، إيران.
بينما ثلث أراضي بلاده تسرح فيها القوات التركية والأمريكية والإسرائيلية، ومع ذلك قرر أن عدوه هو “الخطر الإيراني”، ليس لأنه خطر واقعي، بل لأنه ورقة اعتماد في دفتر واشنطن.
والأغرب من ذلك، أن ترامب ـوهو زعيم الارتجال العالمي ردّ على هذا بما يشبه صفعةً سياسية حين قال: “إيران دولة عقلانية”… بين قوسين “أنت مش فاهم واقعك، يا شرع .”
قد لا يكون ترامب رجل فلسفة أو روية، لكن في لحظة واحدة، وضع إصبعه على جرح العقل العربي، علّمه أن العدو الحقيقي ليس من تُشير إليه أمريكا، بل من يحتل أرضك ويبتز كرامتك ويجرك خلف وهم السلطة العرجاء.
هكذا نحن نمدح التهور ونمجّد الخضوع، نصفّق لمَن أشعل المنطقة ونطري من أطفأ نفسه كي يرضى عنه البيت الأبيض.
وبين هذا وذاك، تذوب السيادة، وتتبعثر العروبة، ويقف ترامب ـ ساخرًا ـ ليلقي محاضرته في “فن العقلانية” على جمهورٍ ضائع لا يعرف أين يقف، ولا على من يراهن.
فيا سادة الإعلام ومحبّي التكرار، لا تبيعونا الوهم مرتين… مرة على صهوة دبابات الطاغية صدام، ومرة تحت أجنحة الطائرات الرئاسية الأمريكية، فالوطن لا يُدار بالتصفيق، والسيادة لا تُشترى من فم ترامب.



