ميثاق الرحمة.. رعاية اليتيم

أمونه جبار الحلفي..
جعل الله تعالى رعاية اليتيم جزءًا من ميثاق الإيمان والعمل الصالح، حين أمر بني إسرائيل بالإحسان إلى اليتامى ضمن أعظم وصاياه، فاليتيم الذي فقد سند والده، أصبح أمانةً في أعناق المؤمنين، رعايته ليست مجرّد إحسان اجتماعي، بل هي طاعة لله وعهدٌ موثق بين العبد وربه.
من هذه الآية المباركة، نستدل على المكانة السامية التي أولاها الإسلام لليتيم، حيث قرن الإحسان إليه مع عبادة الله الخالصة، في تربيةٍ تنشر الرحمة وتؤسس للعدالة بين الناس.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُمْ مُّعْرِضُون).َ
ميثاق الرحمة مع اليتيم
في هذه الآية الكريمة، يُبيِّن الله تعالى ميثاقه العظيم الذي أخذه على بني إسرائيل، وهو ميثاق جامع لأصول العقيدة والعمل الصالح. ومن بين أبرز البنود التي ذكرتها الآية: الإحسان إلى اليتامى.
فقد أمر الله تعالى أن يُعامل اليتيم برفق ورحمة، لأن اليُتم يكسر قلب الطفل ويحمله أعباء الحياة دون سند، ولذا كان الإحسان إلى اليتيم نوعًا من الوفاء بالميثاق الإلهي.
اليتيم مذكور هنا بعد الإحسان إلى الوالدين وذوي القربى، مما يدل على أهمية العناية به، لأنه فقد أهم ركن في حياته وهو الأب، وربما الأم أيضًا.
وبالتالي، فالإحسان إلى اليتيم هو واجب ديني وإنساني، يتجاوز مجرد العطف، ليكون دعمًا حقيقيًا يحفظ كرامته ويعوضه عن فقده، فينشأ فردًا سويًا في المجتمع.
وهكذا، جاءت الآية لتؤكد، أن رعاية اليتامى ليست عملًا اختياريًا، بل هي جزء من الدين، ومن علامات صدق الإيمان بالله تعالى. فيجب علينا مساعدة الأيتام.
عن الإمام الحسن العسكري “عليه السلام” في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَالْيَتَامَىٰ﴾، قال: وأمّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْيَتَامَىٰ) فإنَّ رَسُولَ اللهِ “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ” حَضَّ اللهَ تَعَالَى على بِرِّ الْيَتَامَى لِانْقِطَاعِهِمْ عَنْ آبَائِهِمْ، فمَنْ صَانَهُمْ صَانَهُ اللهُ، وَمَنْ أَكْرَمَهُمْ أَكْرَمَهُ اللهُ، وَمَنْ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ رِفْقًا بِهِ، جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهُ فِي الْجَنَّةِ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ تَحْتَ يَدِهِ قَصْرًا أَوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
بر اليتيم.. وصية إلهية
نستلهم من حديث الإمام العسكري “عليه السلام” أن الله عز وجل أمر ببرّ اليتامى لأنهم فقدوا السند الطبيعي (الآباء)، فهم أضعف أفراد المجتمع، والإحسان إليهم عبادة عظيمة، ومن صانهم وأكرمهم فإن الله يصونه ويكرمه جزاءً لما عمل.
مسح رأس اليتيم.. مفتاح القصور في الجنة
الإمام “عليه السلام” بشّر بأن من يمسح على رأس يتيم رفقًا به، يُثيبه الله تعالى بعدد كل شعرة مرّت تحت يده قصراً واسعاً في الجنة، أعظم من الدنيا بكل ما فيها، مليئاً بما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، والخلود فيه نعيم لا يزول.
اليُتم الأعظم.. انقطاع عن الإمام المعصوم
الإمام “عليه السلام” كشف عن نوع آخر من اليُتم، أشد من فقد الوالدين، وهو يُتم الإنسان عن إمامه المعصوم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بحيث لا يتمكن من لقائه أو معرفة أحكام دينه مباشرة.
علماء أهل البيت.. آباء روحيون لليتامى
من كان من شيعة أهل البيت عالمًا بعلومهم، كان بالنسبة للجاهل بشريعتهم كالوصي لليتيم، يرعاه ويعلمه، ويقوده إلى شريعة الهدى. ومن قام بهذا الدور العظيم كان رفيقًا للمعصومين في أعلى الجنان.
الإحسان إلى اليتيم.. طريق إلى رضا الله
يُعلِّمنا هذا الحديث الشريف، أن الله تعالى شديد الرِّقّة والرحمة باليتيم الذي فقد أباه، حتى إنّ بكاء اليتيم يهتز له عرش الله – وهو تعبير عن شدّة التأثر والعناية الإلهية.. فمن أسكن حزن اليتيم وأرضاه، أرضاه الله يوم القيامة، وهذه أعظم نعمة ينالها العبد.
مسح دمعة اليتيم.. مفتاح لرضوان الله
ينبغي للمؤمن أن يُدرّب نفسه على الرحمة بالضعفاء وخاصة الأيتام، فيمسح على قلوبهم بالكلمة الحنونة الطيبة واليد العطوفة، ويجتهد في إسعادهم، لأن في ذلك إصلاحًا للنفس، ورحمةً ينال بها العبد رضا الله ومحبته يوم القيامة.
يد الرحمة.. طريق إلى نور الآخرة
الحديث يبيّن لنا، أن الأعمال الصغيرة – مثل مسح رأس يتيم بلطف ورحمة – لها وزن عظيم عند الله، وتتحوّل يوم القيامة إلى نور يهدي صاحبه وسط ظلمات ذلك اليوم العصيب.



