بغداد تودع مبدعها القاص جمعة اللامي بتشييع مهيب

بحضور رسمي وشعبي كبير
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
شيّعت العاصمة بغداد، اليوم الأحد، القاص والكاتب الكبير جمعة اللامي من مقر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بحضور رسمي وشعبي وثقافي كبير، وحضور عائلته، وقد كان التوديع مهيباً بما يليق بالمنجز الأدبي لهذا الأديب والصحفي الذي كان من أبرز الأدباء الذين أغنوا المكتبة العراقية بالعديد من الاصدارات التي تؤرشف لنضال الشعب العراقي ضد الدكتاتورية البعثية.
اللامي رحل يوم الخميس الماضي في مدينة الشارقة، وهو أحد كتّاب جيل الستينيات الذين جدّدوا في القصّة القصيرة العربية، واتجهوا إلى التجريب والقطع مع قواعدها الكلاسيكية المألوفة.
وُلد اللامي بمحافظة ميسان عام 1947، وانتقل إلى بغداد نهاية 1959. بدأ بنشر أعماله الأدبية في صحف ومجلّات عربية منذ عام 1965، ثمّ التحق بالصحافة عام 1968؛ قبل أن يُغادر العراق الذي قضى سنوات عدّة في سجون البعث، منذ كانون الثاني 1963.
تركت سنوات السجن، أثرها البالغ في حياته وتجربته الأدبية؛ إذ يقول في أحد حواراته: “في السجن صرتُ كاتباً محترفاً، وقبل السجن، في صباي وفتوّتي، كنتُ أقرأ كثيراً وأُدوّن قليلاً”. وفي نصّ له بعنوان “سيرة غير منتهية”، يكتب: “منذ تلك السنوات اخترت – بعمق – أن أكتب في شأن مفهومي للحرّية، والإنسان المضطهَد من الجلّاد ‘الرسمي’ والجلّاد ‘المناضل'”.
وثّق اللامي هذه التجربة في كتابه الأوّل الذي اختار له عنوان “المسيح والجراد”، إذ دوّن فيه “كوابيس السجن والحياة السرية للسجن السياسي”، مثلما كتب في “سيرته غير المنتهية”، لكنّ هذا العمل لم يرَ النور بسبب ضياعه. هكذا، ومجموعتُه القصصية “من قتل حكمة الشامي؟”، التي كتب معظمها في سجن الحلّة عام 1967، هي أوّل عمل ينشره، لكنّ ذلك تأخّر حتّى عام 1976 بسبب الرقابة.
وتبع هذا الكتاب بإصدارات أُخرى؛ من بينها في القصّة القصيرة: “اليشن” (1978)، و”الثلاثيات” (1979)، وفي الرواية: “المقامة اللامية” (1999) و”الثلاثية الأُولى” (2000) و”مجنون زينب” (2008) و”عيون زينب” (2010)، وفي النصوص: “عبد الله بن فرات ينتظر ثأر الله” (1983)، و”ابن ميسان.. في عزلته” (2005)، و”مملكة الحكمة، بوّابة الكلمة” (2005)، و”ترجمان العشّاق” (2019).
إلى جانب أعماله الأدبية، أصدر اللامي، مجموعةً من الكتب البحثية ومنها: “المسألة الفلاحية في العراق: بحث في الاقتصاد السياسي للريف العراقي”، و”قضية ثورة: الصراع والوحدة في منظمة التحرير الفلسطينية”، والحرّية والثقافة: ذاكرة المستقبل (1997)”.
وتُرجمت بعضُ أعمال جمعة اللامي إلى لغات عدّة؛ من بينها الإنكليزية والفرنسية والألمانية والروسية، وحاز العديد من الجوائز الأدبية؛ من بينها: الجائزة الأُولى في القصّة القصيرة خلال المؤتمر الأوّل للكتّاب في بغداد (1977)، و”جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي” في القصّة القصيرة (2006)، و”جائزة العنقاء الذهبية الدولية” (2007)، و”قلادة بغداد للإبداع” (2011).
و”جمعة اللّامي الأولُ ليس بين كُتّاب القصة العرب، بل بين كُتّاب القصة في كلّ مكان كُتبت فيه القصة بهذا الأسلوب”. هكذا كتب الناقد اللبناني عصام محفوظ في جريدة “النهار” عام 1970، مُعلّقاً على مجموعة قصصية بعنوان “من قتل حكمة الشامي” للقاصّ والروائي العراقي جمعة اللامي، الذي رحل عن 78 عاما.
المجموعة التي كانت الكتاب المطبوع الأول لصاحبها، لم ترتبط به وبتجربة اعتقاله (1963-1968)، في “سجن الحلّة” فحسب، بل حملت، بفرادتها الشكلية، روح جيل جديد آنذاك، قبل أن تُعيد “دار التكوين” إصدارها في طبعة جديدة عام 2016، تضمّنت أيضاً نصوصاً أصلية كانت قد منعتها الرقابة في الطبعة الأولى.
وشكّلت القصة في إنتاج جمعة اللامي، متناً أوّلياً، منها انطلق وفيها شحن كلّ مخيّلته الأدبية، وسوى المجموعة الأولى، يبرز عنوانان آخران: “اليشن” (1978)، وهي مجموعة قصصية تتناول سيرة مدينة خيالية اخترعها الكاتب، تعكس رؤيته الشخصية وتجاربه الذاتية، وفي بعض الحوارات، أشار اللامي إلى أن “اليشن” مدينة منسية على حافة التأريخ والجغرافيا والذاكرة، أراد من خلالها أن يقول أشياء عن العراق والإنسان والسلطة والخيبة، دون أن يتورّط في أسماء مباشرة أو واقعية. و”الثلاثيات” (1979)، مجموعة قصص قصيرة تتميز بتعدد الأصوات وتتناول مواضيع متنوعة بأسلوب سردي مميز.



