اخر الأخباراوراق المراقب

أدب الخلاف مع الآخر عند أهل البيت (ع)

الشيخ جاسم الأديب..

ليس من المتوقّع أن يتحد الناس على اختلاف مذاقاتهم ومشاربهم الفكرية والعقائدية ويصبحوا على نهج واحد، لأنهم من الأساس خلقوا مختلفين وهذا ما يظهر من قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفين‏)، إنما المتوقّع منهم أن لا يجور بعضهم على الآخر ويفرض على البقية رؤاه وعقائده أو حتى سننه وعاداته المختلفة.

فمن الطبيعي أن يختلف الناس فيما بينهم ولكن ليس من المقبول بتاتاً أن يخرج الإنسان في تعاطيه وتعامله من الآخرين عن أدب الخلاف ويفرض عليهم معتقداته أو آرائه ورؤاه.

وقد تميّز أهل البيت (عليهم السلام) في سلوكهم الرباني وأخلاقهم العظيمة في مراعات الأدب مع من يخالفهم في المعتقد أو الرأي وضربوا للتأريخ عبر العصور خير صور في هذا المجال.

وقد يُقال: أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن لديهم القدرة في فرض معتقداتهم أو آرائهم على مخالفيهم.

وفي جوابه يقال: إنّ من يراجع سيرة أهل البيت (عليهم السلام) مع مخالفيهم سواء في العقيدة أو الرأي أو غير ذلك يتضح له بوضوح أنهم رغم قدرتهم على فرض آرائهم على غيرهم إلا أنهم لم يلجأوا إلى ذلك بل آثروا التعامل معهم بالأدب والخُلق الرفيع ما دعا كثيراً من مخالفيهم إلى الرجوع عن آرائهم ومعتقداتهم واتباعهم في ذلك.

اللافت للانتباه أنّ كثيرا من مخالفي أهل البيت (عليهم السلام) يعتمدون لغة التجاسر والتهجّم عليهم  دون أن يلقوا منهم أيّ تجاسر ولو بالمثل.

وقبل أن نبيّن الشواهد على ذلك نذكر نموذجين لاعتراف بعض مخالفي أهل البيت (عليهم السلام) بالتزامهم بأدب الخلاف معهم:

النموذج الأول: روي عن أنس بن مالك، قال: كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله) وعليه بردٌ غليظ الحاشية، فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك، فسكت النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: المال مال الله وأنا عبده.

ثم قال: ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي؟

قال: لا، قال: لم؟

قال: لأنك لا تكافى‏ء بالسيئة الحسنة، فضحك النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر.

النموذج الثاني: يقول المُفضَّل بن عمر دار نقاش بيني وبين ابن العوجاء حول عظمة النبي (صلى الله عليه وآله)، فدعاني إلى الإعراض عن ذكر النبي ومناقشته حول خالق الكون.

فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً، فقلت: يا عدوّ الله ألحدت في دين الله، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك‏ في أحسن تقويم‏ وصوّرك في أتم صورة ونقلك في أحوالك حتى بلغ إلى حيث انتهيت.

 فقال ابن العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا ولا بمثل دليلك تجادل فينا.

ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدّى في جوابنا، وإنه الحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خُرق‏ ولا طيش ولا نزق‏، يسمع كلامنا ويُصغي إلينا، ويتعرّف حجّتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننّا أنا قطعناه دحض حجّتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه‏.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى