اراء

مرسال الطاغوت: نفذّوا رغباتنا وإلّا!

بقلم: ليلى عماشا..

في الوقت الذي تواصل فيه قرى الجنوب اللبناني، لملمة أجساد شهدائها التي دُفنت ودائعَ في مختلف المناطق وضمّها إلى ثراها بعد شوق، وفيما يرتفع يومًا بعد يوم، عدد الشهداء الذين يرتقون في الاعتداءات “الإسرائيلية” اليومية، تواصل الولايات المتحدة الأمريكية، عدوانها على لبنان، سواء باستخدام الآلة العسكرية “الإسرائيلية” أم الآلة الدبلوماسية التي تحضر فتنتهك بحضورها أبسط شكليات السيادة أو حتى الآلة الإعلامية المحليّة التي تعمل بإمرة السفارة الأمريكية وتتحرّك كأداة تهويل وتحريض وإلغاء.

لا فرق بين غارات الطيران الحربي التي تعتدي على مدار الساعة على البلد وأهله، وبين غارات الأوامر والشروط التي تحملها نائبة المبعوث الأمريكي إلى غرب آسيا (الشرق الأوسط) مورغان أورتاغوس، فكلاهما يشكّل انتهاكًا مذلًّا لكلّ شعارات السيادة الوطنية ولكلّ الطاقم السياسيّ العامل في خدمة الرغبات الأمريكية. وإن كانت الاعتداءات الحربية تُظهر عجز الدولة عن حماية أراضيها وأهلها وتثبت أن قوّة المقاومة وحدها تستطيع ردع هذا العدو المعتدي، فالاعتداءات الدبلوماسية تثبت في السياق نفسه ألّا يمكن للدونية والانبطاح للأمريكي أن يحقّقا أيّ نوع من المكاسب ولو السطحية، وأنّهما طريق محفوف بالذلّ وبالمهانة والانتهاكات الفاضحة حتى لأبسط الحقوق والأعراف والبروتوكولات.

على سبيل المثال لا الحصر؛ في بروتكولات العمل الدبلوماسي، يزور الضيف المبعوث وزارة الخارجية في البلد المضيف، على سبيل احترام شكليات الزيارات والمحادثات الدبلوماسية ومراعاة القواعد في اللقاءات ذات الطابع الرسمي.. حتى إن كان هدف الزيارة إصدار أوامر جديدة أو محدّثة، يجب على “الضيف” أن يراعي الأصول والأعراف، إلّا أنّ أورتاغوس ومعها كلّ الإدارة الأمريكية لا تريد حتى إيهام العالم بأنّها تحترم سيادة البلد التي تزوره ومناصب الرسميين فيه، فتقوم باستدعاء وزير الخارجية إلى السفارة للقاء تُملي خلاله عليها خطة عمله وواجباته تجاه سيّده الأمريكي في هذه المرحلة. والأفظع، أن يلبّي الوزير أمر استدعائه من دون اعتراض حتى على سبيل الانتفاضة لكرامته الشخصية وكرامة منصبه.

يغير طيران العدوّ نهارًا على البلدات والقرى الجنوبية، وفي المساء تغير أورتاغوس على كرامة البلد وتهين بفوقيّتها الظاهرة والواضحة كلّ مدّعٍ للسيادة، بنسختها المشوّهة العاملة في حقل الاستكبار الأمريكي.. تفعل ذلك من على صهوة محطة إعلامية لبنانية هي المؤسسة اللبنانية للإرسال، تُستضاف وتُسأل فتملي شروطها وتتدخّل بشكلٍ وقح في مختلف الملفات اللبنانية، تتحدّث بلهجة ربّ عمل يلقّن موظفيه تعليماته الصارمة، تناقش الملفات الداخلية بأسلوب متعالٍ مسيء.

هي تُكذب ما صدر عن رئاسة الجمهورية بخصوص المحادثات التي جمعتها بالرئيس جوزيف عون، بلغة تهكمية واضحة، إذ يخبرها الصحافي الذي يستضيفها بأن لبنان “يرفض” إنشاء لجان للتفاوض في ملفات المعتقلين وترسيم الحدود وانسحاب الجيش “الإسرائيلي” فتجيبه أورتاغوس: “من تقصد بلبنان؟” ويجيبها: “الرئيس عون ورئيس الحكومة؛ فتجيب بكلّ صلافة وفوقية: “الرئيس عون لم يرفض ذلك أمامي”. كما وجهت تهديدًا لم تلتفت كثيرًا لوجوب تبطينه حفظًا لماء وجه الدبلوماسية: “على السلطة والشعب الاختيار: إما التعاون معنا لنزع سلاح حزب الله وتطبيق وقف الأعمال العدائية وإنهاء الفساد وسنكون شريكًا وصديقًا؛ إما خيار التباطؤ من الحكومة والقادة وهنا لا يتوقعون شراكة معنا. بكلام آخر، يطالبنا الأمريكي بالاستجابة والسير بذلّة الخضوع له ولعدوانيته الاستعبادية، وإلّا..

حضرت اورتاغوس إلى لبنان إذًا بوصفها مرسال الطاغوت، وتصرّفت انطلاقًا من وصفها هذا، بعنجهية وفوقية واستعداء لا لمن يعادون شرّ بلادها فقط، بل حتى لمن يستجيبون للأمريكيين.. ولكنّهم الآن بنظرها يتباطؤون في تنفيذ رغبة بلادها المتمثلة بنزع سلاح حزب الله “في أقرب وقت”.

في العادة، يُستقبل المشاهير وأصحاب المناصب على سجاد أحمر، لكن بدا أن أورتاغوس أحبّت تغيير هذا التقليد، فداست على سيادة البلد ومشت لتملي شروط بلادها ورغباتها، وتكذًب ما جاء على لسان رئاسة الجمهورية عن المحادثات التي جمعتها بها.. المشهد متكامل وواضح جدًا، تلك دبلوماسية الطاغوت، لا تختلف قيد أنملة عن صواريخه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى