مجازر الساحل وتداعياتها.. المشروع التركي يتعثر في سوريا

أحمد صبري
في نهج البلاغة، ترد كلمة مهمة للغاية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “بقية السيف أبقى عدداً وأكثر ولداً”، وتتمثل أهمية الكلمة في أن المذابح مهما كانت بشاعتها، فإن البقية الباقية من الضحايا، سوف يتمكنون من إعادة إنتاج أنفسهم مرة أخرى، وسوف تتجدد المواجهات الثأرية بين الطرفين بكل تأكيد، بغض الطرف عن شكل المواجهات الجديدة أو عن كونها ذات طابع تحرري أو تصب في صالح مشروع استعماري.
من الناحية التأريخية، أثبتت هذه الكلمة مصداقيتها في الكثير من الأحداث، فعلى الرغم من المذابح والاضطهادات التي ارتكبت بحق العديد من الطوائف والقوميات، إلا أنها كانت دائماً قادرة على البقاء والعودة للمشهد مرة أخرى، ومن بين هذه الطوائف كان للعلويين في الشام نصيب الأسد، سواء في العهدين المملوكي والعثماني، تلك المذابح التي أفقدتهم معقلهم في حلب عاصمة الدولة الحمدانية التي أسسوها سابقاً، أو حتى في فترة ما بعد الاستقلال، حتى تمكنت النخب العلوية أثناء حكم البعث من تصدر المشهد.
إذن، لا تمثل المذابح التي جرت بحق الطائفة العلوية في الساحل نصراً للحكم الجديد في دمشق، بقدر ما هي كارثة ناتجة عن الفخ الذي سقطت فيه تلك القوى اليمينية بسذاجتها السياسية المعهودة، وأسقطت معها المشروع التركي في سوريا في مستنقع غير محسوب العواقب، الأمر الذي فرض عليه ضرورة القبول بعقد تسويات كان يرفضها سابقاً، مثل التسوية مع الأكراد والدروز، تجنباً لانفلات الحالة السورية وتسربها من بين يديه، والحيلولة من أن تؤدي ارتداداتها لمشاكل وأزمات تمتد حتى إلى العمق التركي ذاته.
لم يتعلم الأتراك الدرس من تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر، وأصروا على مواصلة الاعتماد على المجموعات السلفية القادرة فقط على التدمير، لكنها لا تملك أية ثقافة بشأن فلسفة الحكم، وبالتالي فقد سقطت في فخ ارتكاب المجازر الطائفية، وهو نفس ما سقط فيه الإخوان في مصر عندما تورطوا في مواجهات مع المسيحيين والشيعة، الأمر الذي سرع إسقاطهم عن الحكم بعد سنة واحدة فقط لم يحققوا فيها أي نجاحات سوى في نشر الاحتقان والاستقطابات الطائفية والاجتماعية والسياسية بين المصريين، وهو نفس ما تقوم به المجموعات السلفية المسيطرة على سوريا حالياً.
والواقع أن الموقف التركي الداخلي مع اندفاعه تُجاه هذا المشروع القومي/الطائفي أصبح هشاً للغاية ومعرضاً للكثير من المشكلات الداخلية في الفترة القادمة، أما الطائفة العلوية، فمن المحتمل جداً، أن الترتيبات داخلها، وكنوع من رد الفعل والانتقام لهذه الأحداث وحالة التواطؤ العربي سواء من الناحية الإعلامية أو من قطاعات الجماهير التي تأثرت بالدعايات السلفية والإخوانية المعادية لهذه الطائفة، لن تكون في مصلحة العرب كأمة في حال تم طرح فكرة الانفصال أو الفدرلة وهو مشروع سيتمكن من استخدام هذه المجازر جيداً ليقوم بتفتيت سوريا وربما لبنان لاحقاً لكانتونات طائفية متعادية.
إن مشكلة الوضع السوري في الفترة الحالية تتمثل في الصراع بين المشروعين، التركي والصهيوني، وعلى الرغم من أن كلاهما يصب في النهاية بخدمة المصالح الأمريكية، ولا يمانعان في التعاون أحياناً، إلا أن كل منهما يرغب في أن يتم التعاون بناءً على قيادته ومصالحه كأولوية، وعلى سبيل المثال، بينما يؤكد الكيان الصهيوني على ضرورة منح القوى الكردية جانباً من الكعكة السورية، كان الأتراك يرفضون تماماً هذا الخيار كونه يهدد مصالحهم ويمنح المعارضة الكردية في تركيا مجالاً للدعم والتهديد يرفضه الأتراك بكل تأكيد. ومن هنا فقد أدت مجازر الساحل السوري إلى أن يجبر الأتراك على تقديم تنازلات للمشروع المنافس، وهي تنازلات ستؤدي بالمشروع الصهيوني لتحقيق أهدافه عبر خطوتين: الأولى تتمثل في ترسيخ مشروع فدرلة سوريا عبر إنشاء كيانات طائفية وعرقية شبه مستقلة.
والخطوة الثانية هي تحقيق فكرة ممر داود الممتد من الجنوب السوري عبر الكيان الفيدرالي الدرزي المتوقع إلى الكيان الفيدرالي الكردي المتوقع وجوده على جانب كبير من المنطقة التي كان يطمع فيها الأتراك بالأساس.
من المؤكد أن فكرة فدرلة سوريا لن تكون في مصلحة الأتراك الذين ارتفع سقف طموحاتهم وبعد أن كانوا يطمعون في الحصول على المنطقة من حلب للموصل، أدركوا مؤخراً ضرورة الحصول على الساحل طمعاً في النصيب السوري من غاز شرق المتوسط، لكن الأحداث الآن تعود لنقطة الصفر مرة أخرى، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى التي شهدت زوال السيطرة العثمانية على الشام ككل، بهدف إعادة المشروع الفرنسي القديم بتقسيم سوريا أو فدرلتها بحسب العرقيات والطوائف، وإذا كانت هذه المكونات المختلفة للشعب السوري قد اختارت الوحدة سابقاً تحت تأثير صعود المد القومي العربي، فإن مثل هذا الاختيار الآن لم يعد مضموناً على الإطلاق، على الرغم من أنه مازال الحل الأكثر جاذبية بالنسبة للأوساط الشعبية، أما النخب فقد اختارت الحلول الأجنبية بالفعل وصارت تسعى للتقوقع في أطرها الضيقة سواء كانت طائفية أو عرقية، وأدت مجازر الساحل السوري إلى منحها الشرعية الكافية لتحقيق مثل هذا الحل الغربي.
على أن مشكلة الأتراك مع الساحل السوري لا تتوقف عند المنافع الاقتصادية، فثمة إشكال طائفي كذلك، حيث يمثل العلويون النسبة الأكبر من السكان في هذه المنطقة، وهذا الانتشار العلوي يمتد إلى تركيا، أو بمعنى أوضح إلى المناطق السورية التي استولت عليها تركيا عقب الحرب العالمية الأولى، كما يتصل الوجود العلوي (النصيري) بمجموعات علوية أخرى في تركيا ينتمي إليها كل من الأكراد والأتراك معاً، مثل العلوية البكتاشية على وجه الخصوص، والتي لا يتوقف انتشارها على الأتراك والأكراد فقط وإنما تمتد للمسلمين الألبان والبوسنويين في البلقان، ومنها إلى بعض الدول الأوروبية التي تتواجد بها جاليات ألبانية وبوسنية كبيرة كسويسرا، ويخطئ البعض عندما يظن أن هذه المجموعات لا اتصال بينها.
يعتبر الأتراك حالياً أكبر الخاسرين في هذه التغيرات الأخيرة، فوجود كيانين معادين لهم: كردي وعلوي على حدودهم، أحدهما مدعوم من الغرب والكيان الصهيوني والأمريكيين، والآخر مدعوم من الروس يهدد أمنهم واستقرارهم الداخلي، كما أن إيقاف مشروعهم التوسعي في هذا التوقيت يهددهم اقتصادياً بدرجة أكبر، ولا يوجد ما يمكنهم فعله حالياً سوى السعي للاحتفاظ بما تحقق عبر تقديم تنازلات في الشرق العربي والقوقاز، أو توسيع دائرة المواجهة لتشمل كل من لبنان والأردن عبر استخدام نفس الأدوات (المجموعات السلفية والإخوان) في محاولة لفرض متغيرات على الأرض تمنحهم بعض القدرة على مساومة الأمريكيين والصهاينة للحصول على مكاسب أكبر، وفي هذه الحالة فإنهم يلعبون بورقتهم الأخيرة التي قد تؤدي إلى التعجيل بارتداد كل هذه المشاكل في سوريا إلى الداخل التركي ذاته.



