شهر رمضان.. تجويع النفس والتحولات الجذرية

مرتضى معاش..
الإنسان في هذه الحياة يرتبط بمجموعة من العلائق، تتمثل بالعلاقات المتعددة فيما بين مختلف الأشياء والأشكال والأطراف والأشخاص، وهذه العلائق هي التي تحدد شخصية هذا الإنسان، وغالبا ما تكون هذه العلائق أغلالا وقيودا للإنسان، فهذه الدنيا هي علائق مادية يكون الإنسان فيها مرتهنا ومحبوسا في السجن الدنيوي، إلا العلاقة مع الله سبحانه تعالى فهي تحرر للإنسان من القيود والاغلال.
لذلك يحتاج أن تكون له علاقة خاصة مع الله سبحانه وتعالى، فهي العلاقة الكبرى والعظمى والتي من خلالها يستطيع أن يبني علائق صحيحة مع كل الاشياء والأشخاص والأفكار والمعاني، وشهر رمضان هو شهر التحرر من العلائق المادية عبر الارتباط بالله سبحانه وتعالى، بالتواجد في بيئة جديدة وزمن آخر، والخروج من صندوق الذات وأصفاد الدنيا، والدخول في ضيافة الله سبحانه وتعالى، فعن رسول الله في الحديث المعروف في استقبال شهر مضان، حيث قال صلى الله عليه وآله: (هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللهِ) هذه دعوة ضيافة وسياحة إلى الله سبحانه وتعالى، في سفرة مجانية مدفوعة التكاليف بشكل كامل. مع سعادة عامرة وغامرة بالنعم والخيرات والغفران والصحة والسلامة والعافية والازدهار فهو شهر للتغيير والتحرر، وكما يقول الرسول صلى الله عليه وآله: (إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا تُغْلَقُ إِلَى آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْهُ).
وأيضا عنه صلى الله عليه وآله: (لَوْ يعلمُ الْعَبْدُ مَا فِي رَمَضَانَ لَوَدَّ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ السنَة)، لما فيه من بيئة خالصة محصنة جميلة، سفرة مجانية، حيث يتغير الإنسان، كأنه يعيش في كوكب آخر.
التحرر من الانحباس الدنيوي
إن شهر رمضان هو شهر المشاعر التي تنتقل من القلب الى الروح ومن أهمها الشعور بالتحرر من الانحباس الدنيوي الضيق نحو الرحابة الإلهية الواسعة في ضيافة يتمنى أن تدوم الى الابد.
كذلك هو شهر التحرر من الروتين الممل، الروتين المضجر والمتعب، حيث الرتابة الدنيوية تزرع الكآبة عند الإنسان، فيتحرر فيه لأنه يلجأ إلى ركن وثيق في زمن مفتوح يكسر الزمن الجامد، الذي يعيش فيه طول السنة، ويدخل زمنا جديدا كأنه دخل إلى كون آخر.
ففي أغلب الأيام يعيش معظم الناس حياة رتيبة وزمنا متكررا، وفي نفس الوقت تجدهم في حالة عجلة وتعجّل، كأولئك الناس الذين يقودون سياراتهم بسرعة كبيرة، فسرعة هذا الإنسان تعبر عن حالة يريد من خلالها أن يلحق بالزمن، فهو لا يستطيع أن يشعر بالزمن فيشعر بالقلق من فوات الأمور عليه، لذا وبسبب ضيق تفكيره وضياعه في زحمة الحياة، تراه دائما في عجلة من أمره.
وعن الامام علي عنه (عليه السلام): (العَجلُ قبل الإمكان يوجب الغُصة) ، فالمستعجلون هم اللاهثون وراء الدنيا لا يشعرون بمتعة الدنيا الحقيقية، وكلما تسارعوا من أجل تحصيلها ازدادوا بعدا عنها.
شهر رمضان وتوقف الزمن
لكن شهر رمضان يضعه في ضيافة الله، عندما يصد عن اللهاث الدنيوي ويوقف الزمن الذي كان يعيش فيه الإنسان، ويبطئ سرعة حركة الزمن، ويدخله في زمن آخر خاص بالله سبحانه وتعالى، فيستعيد مشاعره ويستعيد نفسه ويبدأ ينظر من حوله، ويبدأ يحس بوجود الأشياء ويشعر بمتعتها ويتأمل بها ويستلذ بها.
لنفترض أنه لا يوجد لدينا شهر رمضان، وغير موجود في شهور السنة، فإننا سوف نعيش نفس الروتين، ونعيد تكرار نفس الزمن، ونعيش نفس الطريقة في الحياة، لا توجد لدينا محطة تحوَّل في حياتنا، تجعلنا نعيد التفكير في أنفسنا من أجل التغيير والإصلاح.
لذلك فإن شهر رمضان هو محطة نقف فيها، ثم ننطلق إلى التغيير، ولا يعقل أن الإنسان يستمر بلا تغيير، بل يحتاج الى أن ينطلق ويستعيد نفسه ويسترجع معنوياته ويعيد علاقته مع الله سبحانه وتعالى، فيتجدد ويتقدم تقدما إيجابيا معنويا. فشهر رمضان محطة وقوف في الحاضر لإيقاف تدفق الماضي، ثم بعدها ننطلق نحو المستقبل الى العلاقة الإلهية الخاصة في بقية شهور السنة.
شهر التجويع
الإنسان في شهر رمضان لابد أن يجوع حتى يحس بمعنى آخر ورؤية من زاوية أخرى، فتختلف النظرة وقد تتغير القناعات، لنفترض أنك الآن تنظر في زاوية أفقية، فتكون نظرتك مسطحة من بُعدين الطول والعرض، ولكن إذا صعدت إلى مكان عال ونظرت إلى نفس الشيء ستكون نظرتك أعمق وأشمل، لأنها تكون في ثلاثة أبعاد الطول والعرض والارتفاع.
كذلك بالنسبة للتجويع هو عملية خروج من بُعدٍ إلى آخر أكبر، حيث يعيش الإنسان في حالة محاولة تطهير للذات بتجويع النفس وليس تجويع البطن، كلامنا هنا ليس عن البطن، التي تتعلق بالأكل والهضم، ولكن عن تجويع النفس التي تشتهي وتهوى وترغب ولا تشبع.



