السيدة خديجة (عليها السلام) المساندة للرسالة والراعية للولاية

صباح الصافي..
السَّيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)، واحدة من أعظم النساء في تأريخ الإسلام؛ فهي رمز للقوَّة والصَّبر والعطاء. وُلدت في مكَّة المكرَّمة في أسرة نبيلة وثرية، وكانت تعمل في التجارة، واشتهرت بحكمتها وفطنتها، وقد تزوجت من الرَّسول الأعظم محمَّد (صلى الله عليه وآله)، وكانت أوَّل من آمن به وسانده في بداية دعوته (صلى الله عليه وآله).
تميَّزت بفضلها العميق في دعم الرِّسالة الإسلامية منذ بداياتها، كما تميَّزت بصفات عظيمة كالكرم، والصدق، والإيثار، ولم تكن مجرد زوجة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، بل كانت شريكة في مهمته وتبليغ رسالة الله (تعالى) إلى العالمينَ؛ لذلك سنتناول محاور مضيئة من حياتها (عليها السلام)، وكيف كونت بصمة واضحة في تاريخ الإسلام.
كانت السيدة خديجة (عليها السلام) من الشخصيات البارزة التي سبقت غيرها في العديد من المواقف؛ وفي قوله (تعالى): (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ)؛ إشارات جليَّة إلى التَّميز والريادة والسَّبق، لتكون (عليها السلام) واحدة من الذين سبقوا غيرهم في التَّضحية والدَّعم؛ فأصبحت قدوة في الإيمان والوفاء؛ ولقد كانت الرائدة في العديد من المجالات.
أمَّا في مجال الإيمان؛ فقد كانت (عليها السلام) أوَّل من آمن بالله (تعالى) ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وصدَّقته في كلِّ ما جاء به عن ربِّه (تعالى)، وكانت السند القوي والداعم الأمين له في رسالته؛ فقد آزرته (صلى الله عليه وآله) في كلِّ خطوة، وساندته (صلى الله عليه وآله) بكلِّ ما تستطيع من قوَّة وحرص. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) لا يسمع من المشركين ما يكره من رد عليه أو تكذيب له أو سخرية واستهزاء، إلَّا ويُفرِّج الله (تعالى) عنه بحسن رعاية السيدة خديجة (عليها السلام)، التي كانت تداوي آلامه وتخفف عليه ما يلقاه من معارضة قومه وأذاهم، فكانت له عزاءً وصبراً، ولقد كان موقفها (عليها السلام) يظهر صلابة إيمانها حينما صلَّت مع النبي (صلى الله عليه وآله) في جماعة؛ قرب بيت الله الحرام؛ عن عفيف قال: “كُنْتُ امْرَأً تَاجِراً؛ فَقَدِمْتُ مِنًى أَيَّامَ الْحَجِّ، وَكَانَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ امْرَأً تَاجِراً، فَأَتَيْتُهُ أَبْتَاعُ مِنْهُ وَأَبِيعُهُ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ؛ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خِبَاءٍ يُصَلِّي فَقَامَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَقَامَتْ تُصَلِّي، وَخَرَجَ غُلَامٌ يُصَلِّي مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ مَا هَذَا الدِّينُ. إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَا نَدْرِي مَا هُوَ. فَقَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ، وَأَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ سَتُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ آمَنَتْ بِهِ، وَهَذَا الْغُلَامُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ آمَنَ بِه“.
وروى السيد بن طاووس عن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: “سَأَلْتُ عَنْ بَدْءِ الْإِسْلَامِ؛ كَيْفَ أَسْلَمَ عَلِيٌّ، وَكَيْفَ أَسْلَمَتْ خَدِيجَةُ“.
فَقَالَ تَأْبَى إِلَّا أَنْ تَطْلُبَ أُصُولَ الْعِلْمِ وَمُبْتَدَأَهُ؛ أَمَا وَاللهِ إِنَّكَ لَتَسْأَلُ تَفَقُّهاً، ثُمَّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي “عليه السلام” عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي لَمَّا دَعَاهُمَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: “يَا عَلِيُّ وَيَا خَدِيجَةُ أَسْلَمْتُمَا للهِ وَسَلَّمْتُمَا لَه“.
فقال: إِنَّ جَبْرَئِيلَ عِنْدِي يَدْعُوكُمَا إِلَى بَيْعَةِ الْإِسْلَامِ فَأَسْلِمَا تَسْلَمَا وَأَطِيعَا تَهْدِيَا. فَقَالا فَعَلْنَا وَأَطَعْنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: إِنَّ جَبْرَئِيلَ عِنْدِي يَقُولُ لَكُمَا: إِنَّ لِلْإِسْلَامِ شُرُوطاً وَعُهُوداً وَمَوَاثِيقَ فَابْتَدِئَاهُ بِمَا شَرَطَ اللهُ عَلَيْكُمَا لِنَفْسِهِ ولِرَسُولِهِ أَنْ تَقُولَا: نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً إِلَهاً وَاحِداً مُخْلِصاً، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ اللهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَرْفَعُ وَيَضَعُ وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ قَالا: شَهِدْنَا“(3)؛ ولذلك من الأُمور المتّفق عليها لدى الجميع أنَّ السّيّدة خديجة (عليها السلام) هي أوَّل امرأة أسلمت وآمنت برسول الله (صلى الله عليه وآله).
لقد قدَّمت السيدة خديجة (عليها السلام) كلَّ ما تملك في سبيل دعم دعوة الإسلام؛ حيث كانت دائمًا في طليعة من يساندون الرسول الأعظم محمَّد (صلى الله عليه وآله) بكلِّ ما يستطيعون، وحينما حاربت قريش دعوة النبي (صلى الله عليه وآله)، وقررت حصار بني هاشم في شعب أبي طالب (عليه السلام)، كان لها دورٌ عظيم في الوقوف بجانب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن تبعه؛ فلم تقتصر على مجرد الدَّعم المعنوي، بل بذلت جميع أموالها لرفد من في الشعب، لتخفف عنهم وطأة الحصار.
ثلاث سنوات مرَّت على النَّبي (صلى الله عليه وآله) وعلى من تبعه في هذا الشعب وهو محاصر، وكان لولا سخاء مولاتنا خديجة (عليها السلام) وكرمها في تقديم المال، لكان الجميع في الشِعب قد ماتوا جوعًا. ولم يكن هذا الدعم المادي فحسب، بل كان له أثرٌ بالغ في نفس النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، الذي لم ينسَ أبدًا مواقفها النبيلة، وظلَّت فضائلها حاضرة في قلبه وعقله (صلى الله عليه وآله) حتَّى بعد وفاتها (عليها السلام)، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يتحدث عن فضلها ومكانتها في كلِّ مناسبة، معبرًا عن تقديره العميق لما قدمته في سبيل الدفاع عن الإسلام ونصرته.
المجال الثَّالث: السَّبق إلى الولاية
أما فيما يتعلق بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد كانت السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) هي الأولى في تاريخ الرسالة النبوية التي آمنت واعتقدت بمكانته العظيمة، وكانت ترى في الإمام علي (عليه السلام) تجسيدًا حقيقيًا للحق، وكان قلبها لا يعرف الراحة إلَّا عندما ترى عينيها عليًّا، فتسكن بذلك نفسها. ولم تكن تهدأ لها عين إلَّا أن تحظى برؤية أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، بل كانت تُصر على النبي (صلى الله عليه وآله) أن يكون الإمام عليٌّ (عليه السلام) في دارها، لتكون بذلك شاهدةً على ارتباط عميق بين الإيمان الحقيقي والولاء المطلق لآل بيت النبوة (عليهم السلام)؛ ومما ورد في روايات عديدة، أنَّ قبول ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) دليل الإيمان والمعرفة؛ عن النبي (صلى الله عليه وآله): “لَمْ يَزَلِ اللهُ يَحْتَجُّ بِعَلِيٍّ فِي كُلِّ أُمَّةٍ فِيهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَأَشَدُّهُمْ مَعْرِفَةً لِعَلِيٍّ أَعْظَمُهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ الله“.



