“دابادا”.. فيلم عن الصراع بين الإبداع والدكتاتورية الصدامية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
يعد فيلم (دابادا) للمخرج علي ريسان عن الشهيد حسن مطلك الذي أعدمه الطاغية المقبور، مشروعًا عميقًا ومؤثرًا يستحق التوقف عنده للتأمل في حياة هذا المثقف الاستثنائي الذي انتهت حياته مبكرًا، لكن أثره لا يزال حاضرًا في المكتبة العراقية.
وقال الكاتب شوقي كريم حسن في إشارة تعريفية خصَّ بها “المراقب العراقي”: أن “الفيلم وكاتبه ومخرجه علي ريسان، يسعيان الى توثيق حياة حسن مطلك، كجزء من ذاكرة العراق الثقافية، في مواجهة محاولات تزييف التأريخ وتغييب الشخصيات الحرة والمبدعة”.
وأضاف: إن “الرسالة الأساسية تتجاوز الحكي عن شخص بعينه لتلامس قضايا إنسانية أعمق منها، الصراع بين الحرية والقمع، وبين الإبداع والسلطة إنه دعوة للتأمل في مصير المثقفين الذين حاولوا إعادة تعريف معنى الإنسانية في سياقات قاسية”.
وتابع: إن “الفيلم يبدو وكأنه يسير على خطى الرواية الأدبية، حيث يمتزج الحكي بالشعر والرمزية واستخدام التفاصيل الصغيرة مثل المكتبة الطينية، والقرية المنسية، وموهبته في الرسم والخط والتمثيل، يجعل السرد حميميًا وإنسانيًا”.
وأوضح: إن “هذا الأسلوب يمنح الفيلم عمقًا ويجعله قريبًا من المتلقي، وكأنه دعوة للتواصل مع حسن مطلك كإنسان قبل أن يكون شهيدًا أو رمزًا وبطلًا مأساويًا كلاسيكيًا، يمثل أنموذجًا للإنسان الذي يحترق ليضيء طريق الآخرين”. شخصيته تتأرجح بين الحالم بالحرية والمبدع المتمرد الذي يدين الحرب، وبين الضحية الذي تنبأ برحيله المبكر”.
وأشار الى ان “هذه الأبعاد تمنح شخصيته جاذبية درامية، خاصة عند ربطها بتجربته الأدبية في دابادا وقوة الضحك في أورا، التي تظهر كمرآة تعكس مأساته الخاصة، من خلال الإشارة إلى أن الفيلم أخرجه فنان مغترب، يبدو أن هناك تركيزًا على الصورة كوسيلة أساسية للسرد، قد تكون المشاهد التي تصور المكتبة الطينية، الطبيعة الريفية، وأدوات حسن الفنية (الرسم، الخط) مليئة بالرمزية التي تشير إلى ثراء شخصيته في مقابل بساطة البيئة التي نشأ فيها”.
وأكمل: “ربما يستخدم الفيلم التناقضات بين الحياة البسيطة والطموحات الكبيرة لإبراز الصراع الذي واجهه الشهيد والسياق الزمني الذي يغطي الثمانينيات والتسعينيات، حيث الحرب والقمع والاضطراب السياسي، يجعل حياة حسن مطلك شهادة على جيل كامل من العراقيين الذين عاشوا في ظل الخوف والحرب، ان إدخال هذه الأجواء التأريخية ضمن السرد قد يعمق من تأثير الفيلم، حيث يصبح حسن مطلك رمزًا لهذا الجيل”.
ولفت الى ان “الفيلم يبدو كما لو كان رسالة حب ووفاء شخصية منك كصديق مقرب لحسن مطلك، وهو ما يمنحه طابعًا صادقًا وإنسانيًا، من خلال هذا الفيلم، يبدو أنك تسعى ليس فقط لاستعادة ذكرى صديقك، بل لمنح صوته الخالد فرصة لأن يصل إلى الأجيال الجديدة، التي قد لا تعرف شيئًا عنه في ظل “كتّاب السلطة”.
وبيّن: أن “الفيلم ليس مجرد توثيق لحياة حسن مطلك، بل هو أيضًا احتجاج ضد محاولات تغييب الرموز الثقافية، ودعوة للتأمل فيما يعنيه أن تكون إنسانًا حرًا وسط سياقات سياسية واجتماعية قاهرة، إنه فيلم عن الإنسان، الحلم، والإبداع الذي يرفض الانكسار، خاصة عندما تتناول شخصية مثل حسن مطلك، تتحول إلى أكثر من مجرد سرد مرئي للأحداث، بل تصبح وسيلة لإحياء الذاكرة وتقديم شهادة حية تعيد تشكيل الماضي برؤية جديدة”.
وأتم: إن “هذا النوع من السينما يتميز بقدرته على المزج بين الحقيقة والفن، مما يجعلها وسيلة فعالة للتوثيق والتأثير العاطفي في آن واحد، فالفيلم هنا لا يبدو مجرد تسجيل لحياة حسن مطلك، بل هو مشروع لإعادة بناء سيرته بشكل يكشف أبعادها الإنسانية والفكرية العميقة. حياة حسن مطلك الغنية بالرموز والإشارات الثقافية تجعل من الفيلم فضاءً للتعبير البصري والدرامي. المكتبة الطينية، على سبيل المثال، ليست مجرد مشهد عابر، بل استعارة عن قدرة الإنسان على خلق وعيه وسط ظروف تبدو غير مواتية”.
ورأى، إن “هذه التفاصيل البسيطة يمكن استثمارها في سينما الوثيقة لتحمل دلالات عميقة توصل رسائل عن مقاومة القمع بالفكر والإبداع. الرسم والخط والتمثيل ليست مجرد مهارات، بل تعبيرات عن شخصية حساسة ومتمردة، تبحث عن طرق متعددة للتعبير عن ذاتها في مواجهة واقع قاسٍ. في سياق سينما الوثيقة، الفيلم يقدم أيضًا فرصة لإعادة بناء الزمن والمكان من خلال الصورة والصوت”.
وختم: إن “الأهم في هذا النوع من الأفلام هو الحفاظ على التوازن بين التوثيق الفني والبُعد الإنساني، فحسن مطلك ليس مجرد ضحية لنظام قمعي، بل مثال على المثقف الذي حاول أن يعيش بأقصى درجات الصدق مع نفسه. الفيلم يمكن أن يتجاوز البُعد الفردي ليصبح شهادة على حقبة بأكملها، مليئة بالصراع بين الحرية والقمع، بين الطموح والموت. سينما الوثيقة هنا ليست فقط وسيلة لإحياء ذكرى حسن مطلك، بل أداة لاستعادة صوته في وجه محاولات التهميش والنسيان”.



