الإصلاح الثقافي

من الثابت في علم النفس الاجتماعي أن الناس يصابون بردّة فعل ومقاومة نفسية وروحية قوية مضادة ومعاكسة تجاه بعض الأحداث المهمة التي يتعرضون لها ويتحقق ذلك بشكل واضح وملموس عندما يواجهون نوعين من الأحداث:
الأول
عندما تقوم مجموعة ـ تحت أي عنوان كان ـ بإخراج الناس من حريتهم وحالتهم المستقرة والمطمئنة إلى مرحلة الفساد والفحشاء والاضطرابات فحينئذٍ تتولّد عند كثيرٍ منهم حالة شديدة من الرفض والثورة ضد ما يرمي إليه أولئك النفر.
الثاني
عندما تقوم مجموعة تحت أي عنوان كان بانتشال الناس من واقعهم المتردي من العبودية والانحلال الخلقي والعقيدي وتوجيهم نحو الاستقلال والحرية والنزاهة الخلقية والعقدية فحينئذٍ تظهر من هؤلاء أيضاً حالة من الرفض والثورة ضد ما تهدف إليه هذه الجماعة.
وذلك لأن طبيعة الإنسان تجعله يعيش مع الأحداث والتغيرات ويحكم عليها بواسطة عواطفه ومشاعره وأفكاره الخاصة التي نشأ وترعرع وتطبّع عليها واستأنس بها سواء كانت هذه الأفكار التي يحملها صحيحة أو سقيمة حقة أو باطلة، بحيث إذا تعرض لها أحد بسوء أو طلب تغييرها أو تعديلها أو تفنيدها واستبدالها بالأحسن لم يلق إلّا الصدود أو الإعراض تارة أخرى.
هذه هي الطبيعة المتجذرة في نفوس الناس غالباً… مثلاً: الإنسان الذي ينمو ويترعرع في مجتمع يعبد الأصنام، الإنسان الذي منذ نعومة أظفاره ومنذ أن كان لا يميز بين الخير والشر لا يرى ولا يعرف من العبادة إلّا تأليه الأصنام وتقديسها، يرى آباءه وأجداده كذا يفعلون، أصدقاءه وأقرانه كذا يصنعون مجتمعه كله يسجد للصنم ويركع له، نرى هذا الإنسان يشبُّ وهو يحبّ الصنم ويقدّسه ويتقرب إليه بالقرابين والنذورات لأنه شب في جو مشحون بذلك، فيتحول في مرحلة رشده وكمال عقله من حب الصنم إلى الاعتقاد والتصديق به، فهكذا إنسان طوى هذه المرحلة الطويلة من السنين وهو لا يأكل ولا يشرب إلّا على حب الصنم ولا ينام إلّا على حلم الصنم ولا يعيش إلّا لجلب رضا الصنم حتى يبلغ درجة الاعتقاد والتأليه له! فهل يستطيع أحد أن يغير عقيدته بسرعة وسهولة ويطلب منه أن يرفض عبادة الصنم ويتمسك بغير ذلك من دون أن يثور ضده أو يحاربه وهو الذي فنّد إلهه المقدس! أبداً، فإنه لا بد أن يثور ضده ويحاربه لأنه يعد ذلك أكبر اعتداء على مقدساته.
والقرآن الكريم أشار إلى بعض هذه التهم التي وجهت ضد الأنبياء في آيات متعددة، فمثلاً اتهموا الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بأنه شاعر أو مجنون: (بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۢ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بَِٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ).
واللّه تعالى ينفي عنه (صلى الله عليه وآله) الشعر حيث يقول: (وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ)، (إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ * وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ)، ولكن عندما رأى الكفار والمشركون أن تهمة الشعر أصبحت باطلة ولا أثر لها في إبعاد الناس وانفضاضهم من حوله (صلى الله عليه وآله)، اخترعوا تهمة جديدة، وقالوا إنه كاهن، في حين أن النبي لا ارتباط له بالكهانة أصلاً. وبعد ما أصبحت هذه التهمة أيضاً باطلة وغير مؤثرة، عمدوا إلى تهمة ثالثة، وقالوا إنه ساحر، وبعض آخر كانوا يتهمون النبي (صلى الله عليه وآله) والعياذ باللّه بأنه مسحور، أي فقد عقله فقالوا: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا) وواضح أنهم إنما ينسبون له هذه التهم التي ليس لها أساس بسبب أنهم كانوا يجدون أن مصالحهم ومنافعهم في معرض الضرر والفناء وأن وجود أبي سفيان وأبي جهل واعتبارهما ورئاستهما على الناس في معرض الخطر!.
والآن حيث استطاع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تغيير أفكار الناس، علينا نحن مسؤولية جذب الناس البعيدين عن الدين إلى الإسلام، وإلى اللّه تعالى، وذلك لأن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ما قضى على الأصنام وعبادتها، وقام سنين طوالاً بالعمل على تربية الناس وخاصة الشباب وتهذيبهم، حتى جعل منهم أناساً مؤمنين أشداء في سبيل الإسلام، لهم قلوب لا تتزعزع أبداً كالجبال الراسية، فنحن أيضاً علينا مسؤولية تبليغ الإسلام إلى الناس في كل البقاع، لملء قلوبهم بالإيمان والتقوى والفضيلة، ونقاوم التهم التي تكال ضد الإسلام ورسوله الأعظم (صلى الله عليه وآله) والعلماء إنّ إسلامنا الحنيف هو الدين الذي يقول: (لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ) فكل إنسان حرٌّ في اختيار أي دين وعقيدة يرغب فيها، ولكن يجب أن لا يغيب عن بال أحد أنّ الطريق الوحيد لتأمين الأمن والاستقرار والسعادة في الدنيا والنور بالآخرة هو الإسلام لا غير وكل ما سواه باطل ولا يزيد الإنسانية إلّا العذاب والشقاء الدنيوي والأخروي، قال تعالى: (وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ).
إن مبادئ الإسلام من أعظم المبادئ التي مُنحت للإنسان حريته وكرامته واحترمته وأكبرته، فهو دين الرحمة والعاطفة والسماحة، حتى بالحيوان فضلاً عن الإنسان، وهو لا يؤمن بالعنف وسفك الدماء، ولا يجيز قتل النفس المحترمة، بخلاف بعض المبادئ الوضعية، ولا يكون كالشيوعية التي تقول: كل من لايدين أو يعتقد بالشيوعية فاقتلوه حتى لو كان أمة بكاملها.



