بعد انفجارات “تل أبيب”.. مآلات المواجهة في الضفة الغربية المحتلة

بقلم: وسام أبو شمالة..
انفجرت عبوات ناسفة في 3 حافلات إسرائيلية بمدينة “تل أبيب” المحتلة في هجوم كان يمكن أن ينتهي بمقتل العشرات، لكن العبوات انفجرت والحافلات خالية أو ربما انفجرت قبل موعدها أو اكتشفت قبل التنفيذ المخطط، حسب تسريبات إعلامية إسرائيلية، بيد أن النجاح في التخطيط والفشل في التنفيذ لا يقلل من حجم العملية وتداعياتها، إذ تعاملت معها الأوساط الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية على مستوى عالٍ من الخطورة والتهديد، كونها أعادت تكرار المشاهد التي شهدتها “إسرائيل” في أيام الانتفاضة الثانية، للحافلات المحترقة وعشرات القتلى والمصابين، جرّاء انفجار عبوات ناسفة وهجمات فدائية متواصلة، ويدل عدد العبوات التي كانت معدّة للانفجار بوقت واحد في عدد من الساحات، على قدرة عالية بالتخطيط لهجوم مركّب.
في ضوء الحالة الهشة لوقف إطلاق النار في غزة، وخصوصاً في ظل قرب نهاية المرحلة الأولى من الاتفاق، وتعليق الحكومة الإسرائيلية تحرير الدفعة الأخيرة من الأسرى الفلسطينيين بحجج واهية ترجع لحسابات داخلية إسرائيلية، تدور مواجهة متصاعدة في الضفة الغربية المحتلة، لا تخلو من الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية نفسها، بل تقع في صلب عملية صنع القرار الإسرائيلي تُجاه الضفة الغربية المحتلة، بيد أن المقاومة في الضفة لا تعير تلك الحسابات اهتماماً كبيراً وتركز على سبل تدفيع الاحتلال الإسرائيلي ثمن عدوانه المتكرر والعنيف على الضفة الغربية، لا سيما على المخيمات الفلسطينية المحتلة في جنين وطولكرم ولاحقاً، على ما يبدو، باقي المخيمات.
بيد أن المستويين السياسي والعسكري يسعيان لاستغلال الدعم الأمريكي المطلق بقيادة دونالد ترامب لتنفيذ عمليات كبيرة، تقود إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تمهيداً لتطبيق خطة الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، خصوصاً أن وزير المالية الإسرائيلي وزعيم حزب “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش، لديه خطة جاهزة، تُجاه الضم، سمّاها “خطة الحسم”، ويدفع الأخير حكومته إلى تسريع وتيرة العدوان على الضفة ومضاعفته على غرار العدوان على غزة ولبنان، ليشمل عمليات متكررة وأياماً قتالية، وخصوصاً في شمال الضفة، مع آلاف الاعتقالات، واغتيال عدد كبير من المقاومين، وتهجير المواطنين وتدمير المنازل والبنية التحتية، وغيرها من أوجه العدوان.
كعادتها، لم تشفع العملية الأمنية للسلطة الفلسطينية على مخيم جنين قبل عملية الاحتلال العسكرية “الأسوار الحديدية”، وحمّل الاحتلال جزءاً من المسؤولية عن عملية “تل أبيب” للسلطة واتهمتها أوساط مختلفة بالضعف وعدم القدرة على مواجهة المقاومة تارة، وعدم الرغبة والدافعية تارة أخرى، وأحياناً تتهم “بالتآمر” والتعاون بل المشاركة في عمليات المقاومة.
وتسعى الأحزاب الأكثر يمينية لـ”شيطنة” السلطة، لأنها ببساطة تضع كل ما هو فلسطيني في بوتقة واحدة بصرف النظر عن توجهاته السياسية والفكرية، كما أنها تعد السلطة إحدى الأدوات الناعمة التي تواجه سردية “إسرائيل” على مستوى المؤسسات الدولية الرسمية، بالإضافة إلى أنها لا تريد أية كيانية فلسطينية رسمية تحظى بالشرعية الدولية أو تشكل نواة لدولة فلسطينية مستقبلية، حتى لو كانت هذه الكيانية منخرطة في التنسيق الأمني مع الاحتلال، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة حول مصير السلطة الفلسطينية في ضوء تراجع شرعيتها الوطنية والشعبية وتصاعد العدوان الإسرائيلي والمقاومة من جهة، وسعي اليمين الصهيوني المتطرف للتخلص منها، وانسداد الأفق السياسي من جهة أخرى.
تخشى قيادة الاحتلال الإسرائيلي، من أن تكون عملية “تل أبيب” المحتلة مقدمة لتصاعد مستوى المواجهة، في الضفة الغربية المحتلة، كرد فعل على عدوانه الواسع على الضفة وانعكاس للآثار التي تركتها حرب الإبادة على غزة. وتقدر الأوساط الأمنية الإسرائيلية، أن وتيرة المقاومة ستتزايد مع اقتراب شهر رمضان المبارك، ما قد يفرض على القيادة الإسرائيلية التفكير في استعادة أساليب التحصين المسلح للحافلات، وزيادة الحراسة الأمنية على الأماكن العامة ومحطات انتظار الجنود وغيرها، بالإضافة إلى السلوك القائم في الضفة من زيادة عديد القوات المنتشرة، بما يشمل المدرعات بهدف إرسال رسائل الردع والتخويف، وتكثيف عمليات التهجير والتدمير والاعتقال والاغتيالات، بيد أن الأساليب الإسرائيلية كافة لم تنجح سابقاً في وأد المقاومة بل على العكس زادت من وتيرتها، كما أن المواجهة الحالية مرشحة للتصاعد من دون أن ينجح الاحتلال في إخضاع المقاومة، وحتى لو كان الثمن باهظاً.



