الإنفاق خاصة على المحرومين

الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر واليه على مصر، يشير صراحة إلى الأركان الأربعة التي أشّر عليها ـ فيما بعد ـ مينارد كينز، ويزيد عليها ركنين آخرين، وقد أشرنا الى الركن الأول وكان عن (خفض الضرائب حتى يصلح أمرهم)، وأشرنا كذلك الى الركن الثاني: زيادة الإنفاق وصولاً إلى الإصلاح الاقتصادي، وفيما يلي الركن الثالث: الإنفاق خاصة على المحرومين.
وأما زيادة الإنفاق فعلى نوعين:
الأول: إنفاق ما يفضل من بيت المال على عامة الناس، وقد شكّل ذلك الاستراتيجية العامة للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وللإمام علي (عليه السلام).
أ ـ ففي “حلية الأولياء”: أن ابن النباح، وهو أمين بيت المال جاءه وقال: يا أمير المؤمنين: امتلأ بيت المال من الصفراء والبيضاء، أتت من الخارج، فقال (عليه السلام): الله أكبر، عليَّ بالناس، فنودي فيهم، ولما أقبلوا وزّع جميع ما في بيت المال، وهو يقول: يا صفراء ويا بيضاء غرّي غيري.
ب ـ وكان (عليه السلام) يقوم بإنفاق جميع الأموال، بحيث لا يبقي درهماً واحداً ولا ديناراً واحداً في بيت المال، ثم يأخذ مساحته، ويعمل في أرضه، فيستنبط العيون، ثم ينفقها في سبيل الله، وفي ذات يوم وصل مال الصدقة مساءً، إلى بيت المال، فقال (عليه السلام) لمن حضر: اقتسموه، فقالوا: أمسينا، أخّره إلى الغد، فقال: من يضمن بقائي إلى الغد.
ج ـ وفي الاستيعاب لابن عبد البر، أن الإمام علي (عليه السلام)، كان عندما ينتهي من تقسيم ما في بيت المال بين المسلمين، يأمر بكنسه، فيكنس ويصلي فيه كي يشهد له يوم القيامة، وأتاه ذات يوم من أصبهان مال؛ فقسمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفاً فقسمه سبع كِسَر، وجعل على كل قسم كسرة.
ونصه: (عن يحيى بن سليمان، قال: حدثني يعلى بن عبيد، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: حدثنا أبو حيان التيمي، عن مجمع التيمي، أَنّ عَلِيًّا قَسَّمَ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ بين المسلمين، ثم أمر به فكنس ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، رَجَاءَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قال: وأخبرني يحيى بن سليمان، وحامد بن يحيى، قالا: حدثنا سفيان قال: حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه قال: قَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) مَالٌ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَقَسَّمَهُ سَبْعَةَ أَسْبَاعٍ، وَوَجَدَ فِيهِ رَغِيفًا، فَقَسَّمَهُ سَبْعَ كِسَرٍ، فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ كِسْرَةً، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطِي أَوَّلا، وأخباره فِي مثل هَذَا من سيرته لا يحيط بها كتاب).
الثاني: الإنفاق على المحرومين والمعوزين والمعاقين والشيوخ والعجزة ومن إليهم، وذلك عبر الدفعات التحويلية والضمان الاجتماعي ونظائرهما، فإننا نجد التصريح في نصه (عليه السلام) الآتي: (ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْمُحْتَاجِينَ، وَأَهْلِ الْبُؤْسِ وَالْزَمْنَى؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً).
وَاحْفَظِ للَّهَ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهَم؛ وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ؛ فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأَدْنَى؛ وَكُلًّا قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ.
وهذا النص واضح الدلالة على السياسة المالية التوسعية؛ فإنّ ضخّ هذه الكمية الكبيرة من الأموال يتكفل بسدّ حاجات الطبقة المحرومة، إذ مع توفر السيولة بأيديهم يمكنهم شراء ما يحتاجونه من مأكل وملبس ومركب، إذ من الثابت اقتصادياً أن نسبة استهلاك الطبقة المحرومة مرتفع جداً بالقياس إلى ما يحصلون عليه من الأموال، وأن نسبة الادخار منعدمة أو منخفضة جداً، عكس الطبقة الغنية، وأما المتوسطة فمتوسطة، وعلى أي فإن ذلك مما يحفِّز الطلب الكلي، ويزيد من نسبة التشغيل ويخفض البطالة إلى درجة كبيرة.



