غزوة بني المصطلق

كان بنو المصطلق من قبائل “خزاعة” المتحالفة مع قريش، وقد بلغ رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” أن الحارث بن أبي ضرار زعيمها يعدُّ العدّة، ويجمع الرجال المقاتلين لمحاصرة المدينة وغزوها، فقرّر رسولُ اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” بأن يقضي على هذه المؤامرة في مهدها كما كان يفعل دائماً.
ولهذا أرسل أحد أصحابه وهو: “بريدة” إلى أرض بني المصطلق، ليأتي بأخبارهم، فذهب بريدة، ودخل فيهم وتحادث- في هيئة متنكرة- مع رئيسهم وعرف بنيته، ثم عاد إلى المدينة وأخبر رسول الاسلام “صلّى اللّه عليه وآله” بما رآه وسمعه، وأن بني المصطلق عازمون على المسير إلى رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” لمحاصرة المدينة.
فخرج رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” في جمع من أصحابه حتى لقيهم عند ماء يدعى “المُريسيع”، ونشبت الحرب بينهم وبين المسلمين، ولكن صمود المسلمين وبسالتهم التي كانت قد أرعبت قلوب قبائل العرب تسيب في أن لا يطول القتال بين المسلمين وبين “بني المصطلق” فتفرق جيش العدو بأن قتل منهم عشرة رجال، كما وقتل رجل مسلم خطأ، فأصاب المسلمون غنائم كثيرة وسبوا جماعة كبيرة من نساء بني المصطلق.
هذا وان النقاط والدروس المفيدة في هذه الواقعة تتمثل في السياسة الحكيمة التي مارسها رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” في حوادث هذه الغزوة، مّما سنذكر بعضها عما قريب.
وقد شبّ في هذه المنطقة ولأوّل مرّة خلاف بين المهاجرين والأنصار، كاد أن يأتي بنتائج مروّعة أبسطها أن توجّه ضربة قوية إلى الاتحاد الحاصل بين المسلمين نتيجة هوى البعض وهوسهم لولا تدبير النبي “صلّى اللّه عليه وآله” وحكمته الرشيدة التي أنهت كل شيء، وابقت على روح التآخي بين المسلمين.
وتعود جذور هذه الحادثة إلى تزاحم رجلين من المسلمين على البئر بعد ان وضعت الحرب أوزارها.
فقد ازدحم “جهجاه بن مسعود” وهو من المهاجرين و”سنان بن وبر الجهني” وهو من الأنصار على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني- مستغيثاً بقبيلته على عادة الجاهليين: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، وكاد أن يتقاتل المسلمون من الفريقين فيما بينهم في هذه الحادثة، وفي هذا المكان البعيد عن عاصمة الاسلام ومركزه، ويتعرض بذلك كيانهم للسقوط والانهيار، لأنهم تواعدوا على القتال كل فريق انتصاراً الصريحة.
فلما عرف رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” بذلك قال: “دعوها فإنها منتنة”. أي أن هذا النوع من الاستغاثة ولمثل هذا الدافع ما هو إلا من دعوى الجاهلية، وقد جعل اللّه المؤمنين إخوة وحزباً واحداً، فإنما ينبغي أن تكون الدعوة للمسلمين، وإلا كانت جاهلية، لا قيمة لها في الإِسلام.
وبذلك قضى النبي الحكيم على الفتنة في مهدها، وجنّب المسلمين أخطارها.
منافق حاول إشعال الموقف
أجل لقد استطاع رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” بهذا الاستنكار الشديد، أن يطفئ نار الاختلاف والتنازع، فيكف الفريقان (القبيلتان) عن استئناف التنازع والتقاتل، إلا أن “عبدَ اللّه بن اُبي” رئيس حزب المنافقين بالمدينة، والذي كان يكنُّ حقداً كبيراً على الإسلام وقد شارك في تلك الغزوة طمعاً في الغنيمة، أظهر- في هذه الحادثة- حقده، وضغينته على الإسلام، وقال لرهط من أهل المدينة كانوا عنده آنذاك: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا الى غير داركم، لقد نافرونا (أي المهاجرين) وكاثرونا في بلادنا، واللّه ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: “سمّن كَلبك يأكلك، أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزَّ منها الأذل (ويقصد بالأذل المهاجرين)”.
فتركت كلمات “ابن اُبي” أمام تلك الجماعة التي كانت لا تزال تعاني بقايا عصبية جاهلية، أثرها في نفوسهم، وكادت توجه ضربة قاضية إلى صرح الوحدة الاسلاميّة، والاخوة الايمانية التي كانت تشدّ المسلمين- أنصاراً ومهاجرين- بعضهم ببعض كالبنيان المرصوص.
ومن حسن الحظ، أن فتى غيوراً من فتيان المسلمين هو زيد بن الأرقم لما سمع بهذه الكلمات المثيرة للشغب والفتنة رد على “ابن اُبي” بكلمات قوية شجاعة اذ قال: “أنت واللّه الذليلُ القليلُ المبغضُ في قومك، ومحمَّد في عز من الرحمن، ومودّة من المسلمين، واللّه لا اُحبُّك بعد هذا أبداً”.
ثم نهض ومشى إلى رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” وأخبره الخبر، فرده رسولُ اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” ثلاث مرات حفظاً للظاهر، قائلاً: “لعلّك وهمت يا غلام، لعلّك غضبت عليه، لعلّه سفّه عليك”.
ولكن زيداً كان يؤكّد صحة ما أخبر به رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” من مقالة المنافق الخبيث “عبد اللّه بن اُبي”، وتحريكه للناس ضد رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله”.
وهنا طلب عمر بن الخطاب من رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” أن يُقتَلَ “ابن اُبي” قائلاً: مر به عبّادَ بن بشر فليقتله. ولكن رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” أجاب عمر بقوله: “فكيف يا عُمَر إذا تحدّثَ الناسُ أن محمَّداً يقتُل أصحابه…؟”.
ولقد مشى “عبد اللّه بن اُبي” إلى رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” حين بلغه أن “زيد بن الأرقم” قد بلَّغ رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” ما سمع منه، فحلف باللّه: ما قلتُ ما قال، وقال بعض من حضر من أهل الرأي من أصحابه دفاعاً عن ابن اُبي: “يا رسول اللّه عسى أن يكون الغلامُ قد اُوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل”.
ولكن الامر لم ينتهِ إلى هذا، فقد كان هذا نوعاً من الهدوء المؤقت تماماً كالهدوء الذي يسبق العاصفة، الذي لا يمكن الاطمئنان إليه. فقد كان يتوجب على قائد المسلمين الأعلى أن يقوم فوراً بما يؤدي إلى أن ينسى الطرفان هذه القصة نهائياً، ولهذا أمر بالرحيل في ساعة من النهار لم يكن “صلّى اللّه عليه وآله” يرتحل فيها عادة. فجاءة “اُسيد بن حضير”، وقال: “يا رسول اللّه لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها”.
فقال له رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله”: “أوَما بلغك ما قال صاحبُكم؟ زعم أنه إن رجع الى المدينة أخرج الاعزُّ منها الاذل”؟.
فقال اُسيد: “فأنت واللّه يا رسول اللّه تخرجُه إن شئت، هو واللّه الذليلُ، وأنت العزيز، ارفق به يا رسول اللّه، فوَاللّه لقد جاء اللّه بكَ وان قومه ينظمُون لَهُ الخِرَز ليتوِّجوهُ، وأنه يرى أنك قد استلبته مُلكاً”.
كان إسلام بني المصطلق اسلاماً نابعاً من قناعة ورغبة، لأنهم لم يجدوا من المسلمين خلال مدّة الأسرى، إلا حسن المعاملة والإحسان والعفو حتى أنه تم إطلاق جميع الأسرى ببعض الذرائع وعادوا إلى قبيلتهم وأهليهم.
ثم إن رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” أرسل إليهم “وليد بن عقبة بن أبي معيط” لجباية زكاتهم، فلما سمعوا بقدومه خرجوا إليه راكبين ليكرموه وليؤدوا إليه ما عليهم من الزكاة، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول اللّه مسرعاً فأخبره بأن القوم همّوا بقتله، وأنهم منعوه ما قبلهم من صدقتهم، فطلب المسلمون غزوهم، وفي الاثناء قدم وفد من بني المصطلق على رسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” وقالوا: “يا رسول اللّه سمعنا برسولك حين بعثته إلينا فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فأسرع راجعاً فبلغَنا أنه زعم لرسول اللّه “صلّى اللّه عليه وآله” أنّا خرَجنا إليه لنقتلهُ واللّه ما جئنا لذلك”. فنزلت في هذا الشأن الآية السادسة من سورة الحجرات تؤيد مقالة بني المصطلق وتصف الوليد بالفسق، إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.



