اخر الأخباراوراق المراقب

الأديان والحضارات ومهمة تهذيب الإنسان

عندما نتأمل في كلمة (حضارة أو دين)، ونبحث في معناها وغايتها، فإننا نستشف من مفردة (الحضارة) فعل التحضّر ونستكشف صفة الإنسان الحضاري، وهي صفة تمنح البشر رفعةً في السلوك والتعامل مع الآخرين ومع ذاته أيضا، ولهذا يوصَف مثل هذا الإنسان بالمتحضّر، ولا يختلف ذلك كثيرا عندما نُجري نفس البحث في كلمة (دِين)، حيث يهدف إلى تهذيب الإنسان، ويجعل منه كائنا خلوقًا مهذبًا في تعاملاته كلَّها.

ولكن هنالك تجارب في الحضارة أخفقت في انتشال الإنسان من حالته الدونيّة، فبقي مجردًا من الأخلاق، وخاليا من الإنسانية، ومثيرا للنزاعات، مما يجعل قضية التعايش في مأزق، ويهدد السلم الأهلي ويجعل هدف السلم والسلام بعيد المنال، ولكن لابد أن نذكر أن هناك تجربتين في التأريخ الإسلامي تؤكدان أن صنع الإنسان المتحضر حصل بالفعل.

هاتان التجربتان تتجسدان في حكومتيّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام علي عليه السلام، حيث العدالة الاجتماعية بلغت أعلى درجاتها، وحماية الحقوق، وإنصاف الناس وضمان حقوقهم، هذه كلها دلائل عن صنع المجتمع المتحضر، ونجاح الإسلام في النهوض بعقلية الإنسان وسلوكه، ولكن ليست الحضارات كلها ناجحة، ولا الأديان تساوت في جهودها ومساعيها في تهذيب الإنسان. 

الإخفاق في بناء المجتمع المتحضّر

ومن الملاحظات التي أفرزتها المتابعات التأريخية المختصة، أن جميع الحضارات أخفقت في بناء المجتمع العالمي المتحضّر، بل صفحات التأريخ غالبا ما تتحول إلى شاشات عملاقة في صفحات السجلات لتعرض علينا مجازر البشرية كلها، وتلك الحروب التي حُزَّتْ فيها مئات الملايين من الرقاب بسبب التطرف والكراهية ونبذ الآخر.

وهذا لوحده دليل على فشل تلك الحضارات الغربية أو سواها، في السابق، وفي الحاضر أيضا، ليست هناك حضارة تمكنت من تأمين العيش الكريم للناس مع حفظ الحقوق، واعتماد القيم التي دوَّنَها التأريخ عن حكومتي الرسول والإمام علي (صلوات الله عليهما)، لذا نلاحظ أن الجهود التي بُذلت في هذا المجال لم تصل بالبشرية إلى تثبيت ركائز العدل والسلم.

بالطبع هنالك أسباب تقف وراء فشل هذه الجهود لتهذيب النفوس والعقول والقلوب أيضا، وقد تم تشخيصها بشكل علمي واضح، وأكبر الأسباب وأشدها تأثيرا ذلك التقدم المادي الهائل الذي أحرزته الحضارة في العصر الحالي، وهذا يؤدي إلى تراكم الثروات، وتزايد طموح الإنسان نحو الاستحواذ، فتنتعش فيه نزعة الامتلاك والاستهلاك معا.

هذا الطموح المتزايد والاستحواذ المتنامي حَرَّكَ داخل الإنسان نزعة الاستيلاء على الموارد الطبيعية بمختلف أنواعها وكمياتها، فراح الإنسان الذي صنعته المادية الغربية يغوص أكثر فأكثر في إفساد الطبيعة والعبث بالموارد، وتكريس الاكتشافات المتطورة لصالح التطور المادي في مختلف المجالات، مثل مضاعفة موارد الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والعُمران في قضية تشييد الأبراج وناطحات السحاب، وفي الطرق والجسور العملاقة ووسائط النقل الضخمة، وتكوين الشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات.

هذا النمو المادي الصاعق جعل الإنسان يستهلك أكثر مما يحتاج، ويتنكر للقضايا الروحية ويهمل الجوانب المعنوية ويغرق يوما بعد آخر في الأوحال المادية الاستهلاكية، فأخذ إنسان الحضارة الراهنة يطلب أكثر مما يحتاج بكثير، مما أدى إلى تنوع الصراعات والصدامات واستفحالها.

ومما لوحظ عن الإنسان المادي أنه يطمح بكل شيء، ولا يكتفي بالحصول على الحاجات الحيوية، بل هو يريد أن يمتلك كل شيء، يريد ما يحتاجه وما لا يحتاجه، وهذا المرض تسببت به الحضارة المادية، التي أهملت التطور الفكري والعقلي والمعنوي للإنسان وركزت على الاشكال البنائية المختلفة، وعلى الصناعات التي تُبهر بصر الإنسان وتجعله ينساق وراء المظاهر ويترك المضامين الداخلية العميقة والمؤثرة.

تنمية العقول وتطييب النفوس

وهذا بالضبط هو السبب الذي جعل الحكام يصِلون في النهاية إلى قمة هرم الطغيان، لأنهم في البداية يطمحون لما يحتاجونه، ولأنهم مُغرَمون بالقضايا المادية المبهرة، فإنهم يواصلون رغباتهم، ثم تأخذهم نفوسهم نحو الإبحار في الملذات، وهكذا تفتح لهم الأشكال المادية أذرعها وتأخذهم في الأحضان فيصبحون طغاة وينتهكون حرمات شعوبهم، وتتشعب لديهم خاصية الشراهة الاستهلاكية المادية القاهرة.

ولكن بالنسبة للمبادئ والتعاليم التي حفل بها الإسلام وتضمنتها النصوص القرآنية والروايات والأحاديث الشريفة لأهل البيت عليهم السلام، سعت بقوة إلى تنمية الجانب المعنوي وركزت على النزعة الإنسانية، وتنمية العقل وتطييب النفوس والقلوب، حيث الناس جميعا في المنظور القرآني لا يختلفون عن بعضهم.

العدالة هي التي قام عليها الإسلام، والهدف دائما هو السلام، والتعايش السلمي، وطرد حالات الكراهية، كي يكون المجتمع الإسلامي بل العالمي كله عبارة عن أسرة متحابّة متعايشة متعاونة وحافظة للحقوق والحريات بشكل مُتبادَل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى