اخر الأخبار

هكذا تفكر إيران فتعلموا منها

في أيام حكم الرئيس المصري السابق مرسي, بدأت بوادر فتح مجالات السياحة أمام الشعب الإيراني, لزيارة بعض المواقع والمزارات الدينية, والتي تحظى بنفس الوقت, باهتمام عاطفي وروحي خاص عند المصريين، ثارث حينها ثائرة الوهابيين التكفيريين, وخرجوا بتظاهرات مدفوعة من السعودية, تطالب بعدم السماح للإيرانيين بزيارة مصر, خشية استغلال زيارتهم للمراقد المقدسة, لنشر التشيّع بين المصريين الميالين لحب أهل البيت, وطالب في حينها المدعو يوسف القرضاوي, بحماية مصر المحروسة مما اسماه التبشير الشيعي, وكذلك اتخذ مرسي وحزب الإخوان, موقفاً سلبياً وعدائياً من الجمهورية الإسلامية، ومع ذلك وعندما سقط مرسي بانقلاب عسكري, وقفت الجمهورية إلى جانبه, وعدت أمر إسقاطه خسارة لتجربة إسلامية، حتى وان كانت مخالفة لها في المذهب, وهذه منطلقات عقائدية ومبدئية, تشكلت في الشخصية الايرانية يصعب هضمها بسهولة .
ومهما حاول المحور الأمريكي والوهابي, وضع الحواجز التي تمنع تواصل دول المنطقة وشعوبها, مع الجمهورية الإسلامية وشعبها, تبقى هذه الدولة ركناً رئيساً من أركان الشرق الأوسط, لا يكاد يستقيم بدونها، ولعل خوف بعض الحكومات من انفتاحها على إيران, هو لإدراكها مدى قدرتها على التأثير الايجابي في الشعوب، مما يؤدي إلى فضح الدعاية, التي يجهد الإعلام العربي لتسويقها, والتي تتعمد رسم صورة سوداوية عن إيران, توظف فيها صوراً تاريخية مكثفة, لإثارة النعرات الطائفية, وخلق حاجز نفسي يمنع تواصل الشعوب المسلمة فيما بينها.
تمتاز الشخصية الإيرانية بصفات خاصة, منحتها القدرة على التفوق والرقي, وامتلاك زمام الحضارة, والنجاح في مواجهة التحديات والمصاعب, كالصبر والعناد والهدوء وبرود الأعصاب, ولعل صفة حائك السجاد أشهر ما عرف به الإيرانيون، ولذلك هم محاورون من طراز فريد, حار به خبراء الغرب، على العكس من شعوب أخرى, عرفت بالانفعالية وضيق الأفق, والميل نحو الانتقام والثأر والعصبية, واستعجال النتائج وعدم القدرة على الحوار, وقد يكون العرب البدو أكثر تطرفاً في هذه الصفات، مما يصعب عليهم الانفتاح على خصومهم, وتقبل الحوار معهم, ولهذا يعانون اليوم مما يطلق عليه اصطلاحاً ايران فوبيا، ونتيجة لذلك خسروا فرصة تاريخية لا تعوض, بإصرارهم على التعامل السلبي معها, فادخلوا المنطقة في صراع دموي, راح ضحيته الآلاف من المسلمين دون غيرهم.
ولعل الاتراك أكثر حنكة وتعقلا من العرب, في قدرتهم على المناورة والمرونة, في التعامل مع خصومهم, كما حصل بينهم وبين الروس والإيرانيين، وخصوصاً في الملف السوري، وما حصل في الانقلاب العسكري الأخير خير دليل على ذلك, فبعد أن وقف الروس والإيرانيون, إلى جانب نظام اردوغان, وكان لهم الفضل في كشف المؤامرة عليه, والقوا بكل ثقلهم من أجل الدفاع عنه وابقائه، مع ان مصلحتهم تقتضي القضاء على شخص, اتخذ منهم مواقف عدائية, وصلت إلى حافة الحرب المباشرة، وعندما أدرك اردوغان هذه المواقف، أذعن للواقع وغيّر سياسته واستدار بها نحو التغيير الجذري.
وهذا اعتراف بالخطأ في لحظة تاريخية حرجة, ولم تأخذه العزة بالإثم, كما يتعامل بعض العرب ويبقى على عناده, وهو موقف يحسب للرئيس التركي, وشجاعة تدل على تعقل, كاد يفقده نتيجة تحالفه مع من لا عقل له, كنظام آل سعود ومشايخ الخليج, التي لا ترقى إلى مستوى التعامل, مع دول كبيرة كإيران وتركيا.
هكذا تفكر إيران بعقلية إستراتيجية, تربط المصالح بالمبادئ, في توليفة نادرة على مستوى العلاقات الدبلوماسية بين الدول, وليس عيباً أن نتعلّم منها.

محمد محي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى