اخر الأخباراوراق المراقب

” أَلَمْ تَرَ” في القرآن الكريم أبعادها وغاياتها

د. رعد هادي جبارة..
لو ألقينا نظرة تدبّر و تأمّل على آيات القرآن الكريم كلها “عددها 6236 آية، مع 112 بسملة غير مرقمة فالعدد الكلي هو 6348 آية” لوجدنا قسماً مهماً منها وردت بصيغة سؤال، و سوف نفرد لذلك مقالاً مستقلاً،”آيات الاستفهام” بعون الله وتوفيقه، في المستقبل إن كان في العمر بقية.
لكن ما نركّز عليه في هذا المقال هو السؤال بصيغة “أَلَمْ تَرَ ” التي تكررت ( 33) مرة في السور ال114 القرآنية.
فما الهدف من توجيه هذا السؤال إلى من نزل عليه الوحي وهو النبي الأعظم (ص) ؟ وهل هو سؤال حقيقي؟أم أنه من قبيل الاستفهام الاستنكاري الذي يأتي للتعبير عن فكرة معينة. والهدف من السؤال هنا ليس الحصول على إجابة،أساساً.
فهذا النمط من الاستفهام يسمى أحيانا بالاستفسار البلاغيُّ، ولا يكون الهدف منه معرفة الإجابة، وإنَّما توصيل انطباع إلى المخاطَب، يستتر وراء هذا الاستفهام؛ كالتَعجُّب، و الاستنكار، والنَّفي، و التَّقرير، وغير ذلك.
ولذلك جاءت الآيات الكريمة التي تبدأ بصيغة { أَلَمْ تَرَ} والسؤال البلاغي موجّه لرسول الله (ص) هكذا ولهذه الغاية، فقوله : ( أَلَمْ تَرَ) أي: ألم تعلم بإعلامي إياك؟ وهو من رؤية القلب .
وقال أهل المعاني : هو تعجيب، وقائله يريد أن يقول: هل رأيت مثلهم؟هل أدركت مافعلوه؟ كما تقول : ألم تر إلى ما يصنع فلان؟
وكل ما في القرآن ( أَلَمْ تَرَ )ولم يعاصره ولم يعاينه النبي “ص” بعينه فهذا وجهه ، ومن ذلك قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (البقرة: 243) فالنبي (ص) لم يره ، وقارئ القرآن في القرون التالية و العصر الحالي لم يره ، والله يعلم بعدم رؤيته لهم، و الهدف هو إيصال المعلومة و إبلاغ الفكرة بصيغة طرح السؤال البلاغي او الاستنكاري.
وقال بعض أهل العلم إن( ألم تر ) عبارة للحث على النظر والتعجب والاعتبار والتأمل.وقال آخرون:إن [أَلَمْ تَرَ ] عبارة للحث على النظر والتعجب و الاعتبار والتأمل.
وأن[ أَلَمْ تَرَ] عبارة للحث على النظر والتعجب والاعتبار و التأمل في شأن من يتحدث عنهم ، و يخاطَب بالعبارة من رأى ومن سمع ، ومن لم يرَ ولم يسمع.
ومن هذاالقبيل قوله ﷻ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿٦٣ الحج﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧ فاطر﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿٢١ الزمر﴾
فالنبي “ص” رآها ونحن نراها والقرآن يريد إلفات نظرنا إلى هذه النعمة العظمى، لنشكر الله ﷻ عليها ليس بالقول فقط وإنما بالعمل:
{اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سبأ/13).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى