ثقافية

صفحات من جمهورية الفقراء تـــوم وجيــري فـــي قطـــاع 12

95

عبد الكريم براهيم

مختلفان من حيث التركيبة العقلية والجسمانية، الاول “حْميَد” كما يحب ان يطلق عليه اغلب اهل المنطقة، وهو تصغير لاسمه الحقيقي احمد. كان هذا الشخص طويل القامة، بليد العقل، محدود الذكاء، وطيباً لحد الافراط. اما الثاني فهو “طويلب” تصغير “طالب”، كان صغير الجسم، حاد الذكاء، ويمتاز بالمراوغة والحيلة. ومن سوء المصادفات ان يكون هذان الشخصان جارين متلاصقين، كل واحد منهما يبحث عن الآخر من اجل الايقاع به، ولا سيما عندما يلعبان “التصاوير” و”الدعبل” و”الزار”. ولا تنتهي اللعبة إلا بعد عراك وشتائم يتدخل فيها الاهل والجيران الذين قد ينحاز بعضهم لجهة معينة. كان الحظ يقف دائماً مع “طويلب”، برغم حيله وشقاوته وانتهاكه لاتفاقيات اللعب النظيف، وفي المقابل الخسارة وفقدان المزيد من “التصاوير” و”الدعابل” من حصة “حْميَد”.
المشكلة انه برغم العلاقة السيئة التي تجمعهما والتي تشابه علاقة “توم وجيري” فانهما لا مناص من ان يلعبا معاً، وحتى بعد اعتى المعارك التي يخوضانها، والتي يتعهد كل واحد منهما بعدم اللعب مع الآخر مهما كانت الظروف، ويقطعان على ذلك بأغلظ المواثيق، وأمام جميع أطفال الحي الذين اعتادوا مثل هذه الامور، ويعرفون أن كل هذه الوعود والأيمانات غير صحيحة بحكم التجارب السابقة، ويرددون مقولة “أينما نجد طويلب نجد قرينه حْميَد”، برغم التنافر الذي يصيب علاقتهما دائماً.
المد والجزر سمة لازمة تسود علاقة “طويلب” مع “حْميَد” قد تصل الى درجة القطيعة وسحب السفراء واعلان حالة “الحُرُب”، ولا سيما عندما يطيّر الثاني طائرته الورقية داخل الاجواء الاقليمية للاول، الذي يجهد نفسه بالتعرض لها بشتى الطرق، ومنها: منها رمي الحجارة بواسطة “المصيادة”، او عمل شرك عن طريق ربط حجارة بخيط قوي ورميها عالياً في الهواء، حتى يكون قادراً على قطع خيط طائرة “حْميَد”. قبل هذا الاجراء يقوم كل طرف بإعلان حالة عدم التوافق وتريد عبارة “الحُرُب”، وكل واحد منهما على سطح داره.
في يوم من الايام خرجت الحرب عن نطاقها الاقيلمي الى الحدود الدولية؛ حيث التقيا في الشارع العام الذي شمله لاول مرة كرم التبليط الجديد، ومن دون سابق انذار تراشقا بالحجارة والطابوق، ولم تكن مدفعية “حْميَد” من الدقة بحث تصيب اهدافها، ما جعلها تفقد ذخيرتها بسرعة. “طويلب” اكتفى برمي حجارة واحدة وصلت من الدقة بحيث انها اصابت هدفها مباشرة وهو رأس “حْميَد”! الضربة أطاحت بالاخير على الارض الاسفلتية الجديدة. هول الاصابة جعلت “حْميَد” ينادي بصوت فيه الالم والحزن “خويه طويلب الحگ لي”. اخذت هذه المفردة حيزها في نفس “طويلب”، فحمل صديقه على ظهره ورجلاه تخطان بالارض، وقال لاهله “حْمَيد وكع بالشارع واتخربط”! والغريب في الامر ان “حْميَد” لم يخبر اهله بان وراء اصابته القاتلة غريمه “طويلب”، ربما اراد ان يثأر بنفسه لكرامته المسلوبة.
كبر “حْميَد” و”طويلب” حتى دخلا العسكرية التي لا ترحم، الاول شفقت عليه لجنة التجنيد وحولته الى غير مسلح، ما أبعده عن نيران الحرب، وكان عليه ان يداوم في مدينة النجف الاشرف في تحميل العتاد. ومع هذه الحظوة التي لا ينالها في ذلك الوقت الا ذو حظ عظيم، ولا سيما في زمن الحرب وسعيرها الذي لايهدأ، فان “حْميَد” كان دائم الُهرَوبِ من العسكرية، وبتعبير ذلك الزمان “فرار”، وكلما حاول والده اعادته الى العسكرية يعاود الفرار مرة اخرى، حتى ملّ الرجل من هذا الامر. من الطرائف ان “حْميَد” يلبس كل يوم ملابسه العسكرية ويأخذ “المقسوم” من والده كي يذهب الى الدوام، ولكن ما هي الا ساعات الظهيرة التي تكاد ان تنقضي حتى يعود الى البيت ليخبر اهله بانه مجاز! تكرر هذا الفعل مرات عديدة حتى ان احد الجيران شاهده في “كراج” النجف ينزل من سيارات بغداد، ليشرب قنينة بيبسي كولا من احدى البائعات الجميلات، ليركب السيارة التي جاء بها نفسها.
عند انتهاء حرب الثمانينيات خلع “حْميَد” ملابس الخاكي ـ التي شكلت له عقدة نفسية ـ عند رأس الشارع ليبقى بملابسه الداخلية معلناً نهاية الحرب بطريقته الخاصة، وربما يكون قد نذر على نفسه هذا التصرف، وكلّ حسب ادراكه للامور. بعد هذه المدة عاش “حْميَد” في احدى مدن الجنوب بعيداً عن ضوضاء العاصمة. اما الطرف الآخر في المعادلة “طويلب” فقد تطوع على صنف الدبابات ليصبح نائب ضابط في الجيش، لتدعسه في النهاية دبابة وتحوله الى ما يشبه قطعة قماش.
المهم ان اطفال المنطقة كانوا يعرفون “طويلب” و”حْمَيد” قبل “توم وجيري”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى