العباس “ع” .. يرتّل سورة الوفاء

وكأنَّ أبا طالب كان ينظر إلى ما سيؤول إليه أمر الإسلام في المستقبل من استمرار الصراع بين أنصاره وأعدائه، وأن أنصاره ومؤسسيه سيتوارثون الدفاع عنه كما يتوارث أعداؤه الحرب عليه، وقد تجلت هذه النظرة الثاقبة ـ وهو الرجل الحكيم ـ بقوله:
كذبتم وبيتِ الله نُخلي محمداً *** ولمّا نطاعنْ دونه ونناضلِ
وننصره حتى نصرّعَ حوله *** ونذهلُ عن أبنائِنا والحلائلِ
فبعد الدعوة المحمدية الشريفة المباركة التي قضت على الشرك والجهل والتخلف والعبودية وأعادت للإنسان كرامته المهدورة، تطاول أعداء الإسلام الألداء وأبناؤهم وأحفادهم من طواغيت قريش وأثاروا النزعات الجاهلية المعادية للإسلام وعملوا جاهدين على تحريف وتزييف وسحق القيم والمبادئ السماوية العليا التي جاء بها الإسلام ليحوّلوه إلى مؤسسة تخدم مصالحهم الشخصية وأهدافهم الدنيوية فرضخ المجتمع الإسلامي تحت وطأة الجور والظلم، وكاد الإسلام أن يُمحى على أيديهم لولا الوقفة التأريخية والثورة العظيمة التي قام بها الإمام الحسين (عليه السلام) بوجه الطغيان الأموي والتي بددت أحلامه بالقضاء على الإسلام وأعادت للإسلام هيبته وأحيت شريعته المقدسة.
ولو أنصف الباحثون والمؤرخون وتجرّدوا من أهوائهم وأحقادهم الموروثة، وتخلصوا من تبعيتهم، ودرسوا تأريخ الإسلام وفق المنطق والعقل والموضوعية والحيادية، بدلاً من التعصب الأعمى لرأوا الحقيقة جلية ولما اختلف اثنان في أمر دينهم ومعرفة إمامهم ولرأوا الحق أبلجَ ناصعاً، ولعلموا أن هذا الرجل العظيم الذي وضعته مصنوعات وموضوعات أبي هريرة (في ضحضاح من نار) هو حامي الإسلام والذاب عنه، ولولا مواقفه ومواقف أولاده وأحفاده لم تقم للإسلام قائمة وأنهم لو اتبعوا هذا الإسلام المحمدي الأصيل الذي سار عليه أهل البيت لكان الإسلام منتشراً في كل أصقاع العالم.
فلم يقصد أبو طالب نفسه فقط في هذين البيتين وغيرهما الكثير من شعره وأقواله ومواقفه المشرفة، بل كان يقصد كل هاشمي من نسل عبد مناف وخاصة أبناءه كما لم يقصد مُجايليه فقط, بل قصد أولاده وأحفاده وأحفاد أحفاده، فكان يحثهم على التضحية بأنفسهم وبكل ما يملكون في سبيل الدفاع عن الإسلام الحق، وكان لهذه المواقف والأقوال أثرها الكبير على بني هاشم في الدفاع عن الإسلام والذب عن رسول الله، ونرى ذلك جلياً في قول عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب أول شهيد في الإسلام في معركة بدر، فعندما حمله علي والحمزة ووضعاه أمام رسول الله وهو جريح قال لرسول الله: (لو كان أبو طالب حياً لعلم أنني أقررت عينه حين قال:
كذبتم وبيتِ الله نُخلي محمداً *** ولمّا نطـاعِنْ دونه ونناضلِ
وننصره حتى نصرَّعَ حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحـلائلِ
وهذا ما تجسد في كربلاء.
فاللواء الذي حمله أمير المؤمنين في كل حروب الرسول وهو يرسي دعائم الإسلام حمله ولده العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كربلاء وهو يخط أروع ملحمة في تأريخ الإسلام بقيادة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) في سبيل الحق والعقيدة، فسطّر للعالم والتأريخ والأجيال أروع دروس التضحية والفداء والتي ستبقى مناراً ومثالاً لكل ثائر على الظلم والطغيان، فحسب العباس فخراً أنه ابن أمير المؤمنين بطل الإسلام وأعظم شخصية عرفها التأريخ بعد رسول الله، وحسب العباس فخراً أنه حفيد سيد قريش وشيخ البطحاء والمحامي الأول عن رسول الله، وحسب العباس فخراً أن يكون أخاً للحسنين سيدي شباب أهل الجنة فجمع مع صفاته الذاتية العظيمة نسبه السامي الشريف.
رافق العباس الكثير من الحوادث الجسام وهو صغير السن، فعايش خلافة أبيه وما رافقها من الأحداث والحروب، كما شاهد ما جرى على أخيه الحسن من المحن والبلايا من قبل معاوية بن أبي سفيان، ورأى غدر أصحاب أخيه بإمامهم، كما رأى إشاعة الظلم والاستبداد وانتشار الجلاوزة في البلاد والتي عملت على إبادة أصحاب أمير المؤمنين المخلصين وتصفيتهم جسدياً أمثال حجر بن عَدي وأصحابه وعمرو بن الحَمْق ورُشيد الهجري وغيرهم، وإعلان معاوية رسمياً سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، والايعاز بذلك إلى ولاته وعماله في كل البلاد في خطب الجمعة وسائر المناسبات الدينية على المنابر، وإشاعة ذلك بين المسلمين، وبلغ تمادي معاوية في غيه إلى دسه السم إلى الإمام الحسن (عليه السلام) وقتله، كل هذه الأعمال الفظيعة التي شاهدها العباس (ع) كانت تحفز فيه روح الثورة على الحكم الأموي الذي زاد من ظلمه وجوره بعد هلاك معاوية، وجلوس ابنه يزيد على عرش الحكم.
مع الحسين
وعى العباس (عليه السلام) الأهداف السامية التي كان ينشدها أبوه (ع) في تحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق الشريعة الإسلامية فآمن بها وجاهد في سبيلها، فانطلق مع أخيه سيد الشهداء (ع) لتحقيقها فأعلن الحسين (ع) رفضه القاطع لبيعة يزيد وصمم على الثورة، فرفع راية الرفض بوجه الظلم وعبّد للمسلمين طريق الحرية والعدالة، وكان أهم من آزره في ثورته وناصره أخوه أبو الفضل العباس (ع) فلازمه في طريقه من مكة الى العراق مع أهل بيته وأصحابه حتى وصلوا كربلاء.



