الخديعة الأمريكية والاحتلال الصامت
لم يبقَ لداعش وجود كبير كما كان قبل سنتين, عندما سيطرت على مساحات واسعة, من المدن ذات الغالبية السنية, ومازالت ذاكرتنا طرية, لم تنسَ ما جرى من أحداث ومواقف, فقد كانت بوادر المؤامرة واضحة, ودلائل تورط أطراف خارجية وداخلية, لا يحتاج الى دليل أو لجان تحقيقية.
على المستوى الرسمي لم تحرّك أمريكا ساكناً، واتخذت موقف المتفرج, بانتظار ما ستؤول إليه الأحداث، بحجة ان الصراع فيه بعد طائفي, وان على الحكومة العراقية معالجة الحيف الواقع على السنة, أما في الخفاء فكانت داعمة لعصابات داعش, حتى ساهم الأعلام الأمريكي في حملة تضخيمها, والنفخ في حجمها وإدارة حرب نفسية, لدفع القوة العسكرية العراقية نحو الانهيار, وخلق حالة من الذعر والخوف لدى المواطن العراقي, تسهّل هزيمته واستسلامه للوحش المرعب القادم من الموصل.
ولكن حساب الحقل غير حساب البيدر, وما كانت أمريكا تتمناه لم يتحقق, فقد أدركت الإدارة الأمريكية, أنها أمام واقع لم تحسب حسابه، فالشعب العراقي صنع نصراً حاسماً افشل مخططاتها, كما ان غريمها الإيراني قدم دعماً عسكرياً وحضوراً ميدانياً جدياً, غيّر مجرى المعركة نحو هزيمة داعش، وأنقذ العراق من مصير, اقله انتهاك الحرمات والمقدسات, وتدمير الدولة ونظامها, والانزلاق نحو الفوضى والتفكك والتقسيم، وهو هدف أمريكي طالما شكل أساس إستراتيجيتها في العراق.
ولعلنا لا نبالغ إن قلنا, ان أكبر هزيمة منيت بها أمريكا, ليست في فشل وانهيار صنيعتها داعش, وإنما في بروز قوة عسكرية شيعية محترفة, تمثلت في فصائل المقاومة المعروفة, أو التي برزت من خلال فتوى المرجعية, وتشكيل الحشد الشعبي، والذي يعني امتلاك العراق قوة عسكرية ذات خبرة واسعة, قادرة على فرض هيبة الدولة, ومنع أية جهة كانت من العبث بسيادتها، ولهذا السبب شكلت أمريكا, تحالفها الدولي المزعوم لقتال داعش, كواجهة للتدخل العسكري المباشر, وإعادة التوازن للمكونات والوجودات التي تدور في فلكها.
وفي الوقت الذي بدأت تتقلص مساحات وجود داعش, وينحسر تهديدها نتيجة الهزائم المتتالية, كانت أمريكا تزيد من قواتها ومستشاريها, بحجة تقديم الدعم للجيش العراقي، مع انها لم تشارك في اية معركة, ولم تقدم اي دعم حقيقي, باستثناء ضربات جوية شكلية، أو ما كانت تقدمه للبيشمركة كونها حليفها الموثوق, وازداد عدد القوات الأمريكية في غفلة من الزمن, حتى تجاوز المعلن منه الخمسة آلاف ما بين مقاتل ومستشار, ولكن الطامة الكبرى, هو في العدد غير المعلن, والذي يثير أكثر من تساؤل حول الهدف منها, في الوقت الذي لم يعد هناك تهديد جدي لداعش.
وتشير صحيفة الديلي بيست, إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية ترفض الإفصاح عن هذه الأرقام، حتى لا يقال إن أمريكا عادت إلى العراق بعد انسحابها منه نهاية عام 2011.
المسؤولون الأمريكان عمدوا الى التضليل, واتخذوا قراراً يمنع ذكر العديد الكلي للقوات, كما صرّح المتحدث الرسمي للجيش الأمريكي ستيف وارن, وكذلك ما نقلته الصحفية الأمريكية “كريستينا وونغ”، عن متحدث رسمي من داخل القيادة الوسطى الأمريكية, والذي صرّح لها قائلا بان “العدد الحالي للقوات لا يحتسب القوات التي تنشر مؤقتا”، مما يعني بان الأعداد الحقيقية المتواجدة أعلى بكثير, كونها تدرج تحت بند “قوات مؤقتة” بدلا من المتمركزة, وبهذه الطريقة يمارس الأمريكان خداع العراق, لإعادة نشر قواتهم بعيداً عن الأنظار.
احتلال صامت تعمل أمريكا على إخفائه, لأنها تخشى من ردود فعل فصائل المقاومة الإسلامية, التي تراقب عن كثب ما يجري على الأرض, وستنتهي مرحلة داعش, وعندها لكل حادث حديث.
محمد محي



