الناسخ والمنسوخ في فهم المستشرقين

خالد عبد النبي الأسدي..
بحث المستشرقون في أمور إسلامية وعربية كثيرة، وكتبوا في ذلك الكثير حتى أصبحت بعض آرائهم تُدرَّس في جامعاتنا ومعاهدنا، فقد كتبوا في التراث العربي والإسلامي، في التأريخ واللغة والقرآن والمذاهب والتيارات الإسلامية، ولم يكتفوا بدراسة العموميات، بل تعمقوا في دراسة أدق التفاصيل في العقيدة والشريعة، ومن الامور التي كان لهم فيها آراء هي الدراسات القرآنية، ومنها الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم.
ومن الذين بحثوا في هذه القضايا المستشرق كولدزيهير وكان يعزو النسخ في القرآن إلى التطور الداخلي فيه، ويرى أنّ النبي محمدا (صلى الله عليه وآله) قد أُرغم واضطر إلى ذلك، فقال: (إنّ الرسول نفسه قد اضطر بسبب تطوره الداخلي الخاص وبحكم الظروف التي أحاطت به إلى تجاوز بعض الوحي القرآني إلى وحي جديد في الحقيقة، وإلى أن يعترف أنه يُنسخ بأمر الله ما سبق أن أوحاه إليه).
فهو يشير إلى أنّ القرآن بيد محمد (صلى الله عليه وآله) يفعل به كيفما يشاء بحسب الظروف التي تحيطه فيشرّع ما يشرّع، وينسخ ما ينسخ، بعد أن يتجاوز الوحي الذي جاءه من قبل.
من تداعيات هذا الرأي أنه كان يرى أنّ من الأوْلى أن يقع النسخ بعد النبي (صلى الله عليه وآله) عند توسّع الدولة الإسلامية واحتياجها إلى قوانين متطورة لتساير حركة التطور، فوسّع من النسخ إلى أبعد من دور العصمة النبوية، فيقول: (فإذا كان الأمر كذلك في عصر النبي، فمن الأوْلى أن يكون كذلك –بل أكثر من ذلك– عندما تجاوز الإسلام حدود البلاد العربية وتأهّب لكي يصير قوة دولية).
أمّا مونتجمري واط فكان يرى في النسخ أنّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ما كان ليُقحم آياتٍ من تأليفه في القرآن، وأنّه (صلى الله عليه وآله) كان يميّز بين ما يُوحى إليه وبين ما ينتجه عقله الواعي، وأمّا مفهوم النسخ عنده فهو تصويب للنص، قال: (وربما يكون قد حاول ـ أي النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ـ أن يُصوَّب النصّ إذا أحسَّ أنّ النصّ الموحى به يحتاج الى إصلاح)، وهذا مفهوم خاطئ للنسخ، لأنّ النصّ القرآني محفوظ بعناية الله سبحانه، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، لكنه فَهمَ النسخ بمعنى إصلاح الخلل، فيما أنّ الرؤية الإسلامية له أنّه إبدال حكم ثابت بحكم آخر، تبعًا للظروف التي أحاطت بالنصّ الحامل لذلك الحكم.
فهو يتصوّر القرآن من تأليف النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وهو وحده الذي يزيد أو ينقص أو يصحح به كيفما يشاء، ولا يرى أنه وحي من الله، لأنّ في عقيدته أنّ القرآن من صنع محمد (صلى الله عليه وآله)، وإنّ النبي عندما كان يصدر هذه التصحيحات والمراجعات ينسبها إلى الله تعالى ـ بحسب زعمه ـ وفضلًا عن ذلك كان رودنسون يرى أنّ مسألة النسخ في القرآن كانت بدافع مراعاة الضَعْف الذي يعتري البشر، فبالنسخ يخفّف عنهم الواجبات الملقاة عليهم فيكون ذلك بنسخ الأحكام وإحلال أحكام بدلها أخفّ منها.
فيما يرى المستشرق (روبير برونشنج)، في دراساته الإسلامية أنّ النسخ ما كان إلاّ بسبب التناقض، ولأجل تجاوز التناقض في النصّوص القرآنية شُرِّع النسخ، والنسخ عنده (يعني رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر عن دليل ذلك الحكم)، غير أنّه كان يرى أنّ من الصعوبة قبول التغيير أو التبديل في القوانين الإلهية الصادرة عن الله المتّصف بالحكمة والخلود، وهذا مما يومئ إلى أنّ النسخ مما يتصف به عمل البشر في الأحكام الوضعية، وهذا الرأي مصدره من كونه يرى أنّ القرآن من تأليف النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لا من الله تعالى.
فضلاً عن ذلك كان يجد في التناقض الذي يدّعيه في النصّ القرآني معنى التعارض بين الآيات القرآنية المُدّعَى فيها النسخ، وقد ألمحنا من قبل إلى الفرق بين المصطلحين.
إذن، من مجمل ما قدّمنا من آراء بعض المستشرقين لقضية النسخ في القرآن الكريم نجد أنّهم قد عارضوا هذه القضية، ويرون أنّ ما قام به المسلمون في النسخ لم يلجأوا إليه إلاّ لإزالة التعارض بين الآيات المتناقضة، مع علمنا أنهم لا يروْن فرقًا بين التعارض والتناقض كمصطلحين عاملين في البحث القرآني والفقهي، ثم أنهم لا يقرّون بحكمة النسخ، طبقًا للنظرية الإسلامية.
ويُرجع الدكتور حسن حنفي ذلك إلى تشبث المستشرقين بالمناهج العلمية التي لا تقرّر في النهاية الإيمان بالوحي الإلهي من الناحية العقلية، وبيان ذلك أن النسخ في القرآن يدلّ على وجود الوحي في الزمان وتغيرّه طبقًا للأهلية، ومن هنا كان خطل الرأي الذي يتصوّر الوحي الإلهي خارج الزمان، والتشريع خارج تطور المجتمعات، ويرى الدكتور الساسي، أنّ منهجهم هذا مصدره عدم إيمانهم بالتطوّر والتدرّج في التشريع كما يُؤمن به المسلمون، ولا يعتقدون أنّ النسخ تمليه طبيعة المجتمع وتطوّره من حالة إلى أخرى.
بيد أنّ تغيّر الأحكام بحسب قانون التدرّج ليس من النسخ في شيء، كما صوره الدكتور الساسي ونسبهُ الى المستشرقين، وقد نبّه إليه كثير من علمائنا القدامى والمعاصرين منهم الإمام أبو القاسم الخوئي عند مناقشته بعض الآيات التي ادُّعِي نسخها وبُنيت فيها الأحكام على التدرّج من نحو النسخ في آيات الجهاد عندما لم يكن الإسلام وقتها قويًا ثم قوِيت شوكته، قال (إنّ النبي الأكرم لم يُؤمر بالجهاد في بادئ الأمر، لأنّه لم يكن قادرًا على ذلك حسب ما تقتضيه الظروف من غير طريق الإعجاز وخرق نواميس الطبيعة، ولمّا أصبح قادرًا على ذلك، وكثر المسلمون، وقويت شوكتُهم، وتمّت عِدَّتُهم وعُدّتهم أُمِرَ بالجهاد، وقد أسلفنا أن تشريع الأحكام الإسلامية كان على التدريج، وهو ليس من نسخ الحكم الثابت بالكتاب في شيء).
إنّ إيمان المستشرقين بكون النسخ في القرآن مبنيًا على التدريج ـ كما أوضحنا ذلك ـ قد قادهم إلى الطعن بالقرآن الكريم والدين الإسلامي وإظهاره دين حرب وقتال من خلال نظرتهم إلى ظواهر النصّوص القرآنية التي تدعو للجهاد، فصوّروا الإسلام دين حرب لا دين سلام بسبب رؤيتهم السطحية لظاهر النصّوص الداعية إليه.



