اخر الأخباراوراق المراقب

التصرفات العقلائية واللا عقلائية

قال اللّه في كتابه الحكيم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ).

لقد اهتم القرآن الكريم بالعقل كثيراً، وورد ذكر العقل والعقلاء في كتاب اللّه عزّ وجلّ والأحاديث الشريفة بشكل ملحوظ.

يقول تعالى في الآيتين الشريفتين (أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ) أي: هؤلاء الكفار المكذبون بنبوتك يا رسول اللّه (فِي ٱلۡأَرۡضِ) اليمن والشام، وسائر البلاد التي أهلك أهلها لما كذبوا الرسل، حتى يعتبروا ويعقلوا عن غيّهم. (فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ) ما يرون من العبر، وآثار الخرائب التي بقيت بعد إهلاك الأمم السابقة، الذين كذّبوا نبياءهم (أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ) أخبار الأمم السابقة، فإن الإنسان إذا سافر، سمع من أهل البلاد أخبار الماضين منهم، وأنهم كيف كانوا، وكيف ماتوا، حتى يحكوا لهم أن أسلافهم هلكوا حيث كذبوا الأنبياء (عليهم السلام) وعملوا بالكفر والمعاصي (فَإِنَّهَا) الضمير للشأن والقصة، ويأتي هذا الضمير للتنبيه إلى أن ما بعده أمر مهم، فإذا كان مذكراً، سمي ضمير الشأن، وإن كان مؤنثاً سمي ضمير القصة، والجملة ما بعد الضمير مفسرة له (لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ) الناظرة إذ البصر ينظر ويرى (وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ) وتنفلق عن الهدى (ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ) والإتيان بهذا الوصف للتعميم، كقوله: (وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ).

(وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ) يا رسول اللّه، أي: هؤلاء الكفار، فقد كانوا يطلبون من الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يأتي به (بِٱلۡعَذَابِ) الذي وعدهم، استهزاءً به (صلى الله عليه وآله)، لكن اللّه سبحانه لا يأتي بالعذاب إلّا في الوقت المحدد له، حسب حكمته ومصلحته (وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ) فقد وعد بالعذاب فيأتيه، كما وعد لهم مدة معينة، فلا يأخذهم قبل انقضائها (وَإِنَّ يَوۡمًا) وهو يوم القيامة (عِندَ رَبِّكَ) أي: في حسابه (كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ) وهذا تهديد، أي: أن وراءهم يوماً يعادل ألف سنة، بحساب الإنسان، وإن كان عند اللّه سبحانه يعد يوماً واحداً، وهذا كما تقول للمجرم: سيأتي وقتك، وفي حساب الحكومة لك يوم هو عشرون سنة في حسابك، تريد أن عليه الحبس تلك المدة. إنهم كيف يستعجلون بالعذاب، ألم يعلموا ماذا صنع بمن كان قبلهم من الأمم المكذبة؟.

ومن الواضح الإرجاع إلى العقل ودوره في حياة الإنسان في الآية الكريمة حيث قال عزّ وجلّ: (يَعۡقِلُونَ بِهَآ). وفي كتاب (التبيان في تفسير القرآن) للشيخ الطوسي (رحمه الله) قال: لما أخبر اللّه تعالى عن إهلاك الامم الماضية جزاءً على كفرهم ومعاصيهم، نبّه الذين يرتابون بذلك. فقال: (أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ) إذا شاهدوا آثار ما أخبرنا به، وسمعوا صحة ما ذكرناه عمن أخبرهم بصحته من الذين عرفوا أخبار الماضين، وفيها دلالة على أن العقل هو العلم؛ لأن معنى (يَعۡقِلُونَ بِهَآ) يعلمون بها، مدلول ما يرون من العبرة.

وفيها دلالة على أن القلب محل العقل والعلوم، لأنه تعالى وصفها بأنها هي التي تذهب عن إدراك الحق، فلولا أن التبيين يصح أن يحصل فيها؛ لما وصفها بأنها تعمى، كما لا يصح أن يصف اليد والرجل بذلك.

والهاء في (إِنَّهَا لَا تَعۡمَى) هاء عماد، وهو الاضمار على شروط التفسير، وانما جاز أن يقول: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، للتأكيد، لئلا يتوهم بالذهاب إلى غير معنى القلب؛ لأنه قد يذهب إلى أن فيه اشتراكاً كقلب النخلة، فإذا قيل هكذا كان أنفى للبس بتجويز الاشتراك، وأما قوله: (يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ) فلأن القول قد يكون بغير الفم. والمعنى في الآية: أن الأبصار وإن كانت عمياً، فلا تكون في الحقيقة كذلك، إذا كان عارفاً بالحق. وإنما يكون العمى عمى القلب الذي يجحد معه معرفة اللّه ووحدانيته. ثم قال: (وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ) يا محمد (صلى الله عليه وآله) (بِٱلۡعَذَابِ) أن ينزل عليهم ويستبطؤونه، وإن اللّه لا يخلف ما يوعد به. (وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ) قيل: يوم من أيام الآخرة يكون كألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: إنه أراد يوماً من الايام التي خلق اللّه فيها السماوات والأرض. والمعنى: (وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ) من أيام العذاب، في الثقل والاستطالة (كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ) في الدنيا، فكيف يستعجلونك بالعذاب لولا جهلهم؟! وهو كقولهم: أيام الهموم طوال، وأيام السرور قصار

وقيل: (وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ) في طول الإمهال للعباد لصلاح من يصلح منهم، أو من نسلهم، فكأنه ألف سنة لطوال الأناة. وقيل: (وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ) في مقدار العذاب في ذلك اليوم، أي: إنه لشدته وعظمه كمقدار عذاب ألف سنة من أيام الدنيا على الحقيقة وكذلك نعيم الجنة، لأنه يكون في مقدار يوم السرور والنعيم، مثل ما يكون في ألف سنة من أيام الدنيا لو بقي ينعم ويلتذ فيها.

إذاً، يبين اللّه تبارك وتعالى في هذه الآيات ـ وكثير غيرها ـ إلى أهمية هذه النعمة العظيمة التي تسمى: العقل، أو: اللب، أو: القلب، أو العلم، وضرورة إعمالها فيما يمر على الإنسان في حياته، فعليه أن يتبصر ويدقق في تجارب الآخرين ويعتبر من الأمم السابقة وما مر عليها. وكل ذلك بواسطة نعمة العقل التي وهبها اللّه تبارك وتعالى للإنسان.

فالعقل والعلم من أهم أسباب التصرفات العقلائية، والجهل وترك العقل من أهم أسباب التصرفات اللا عقلائية والتي توجب خسارة الدارين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى