الانتقام من الشيطان والعفو من الله

من أنواع الرذائل ولوازمها المتعلقة بالقوة الغضبية، الانتقام، بمثل ما فعل به، أو بالأزيد منه – وإن كان محرما ممنوعا من الشريعة وهو من نتائج الغضب، إذ إن كل انتقام ليس جائزا، فلا يجوز مقابلة الغيبة بالغيبة، والفحش بالفحش، والبهتان بالبهتان، والسعاية إلى الظلمة بمثلها. وهكذا في سائر المحرمات. قال سيد الرسل (ص) -: إن امرؤ عيَّرَكَ بما فيك فلا تعيره بما فيه.وقد ورد: أن رجلا شتم أبا بكر بحضرة النبي (ص) وهو ساكت، فلما ابتدأ لينتصر منه، قام رسول الله (ص) وقال مخاطبا له: إن الملك كان يجيب عنك، فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان.
فكل فعل أو قول يصدر من شخص بالنسبة إلى غيره ظلما، إن كان له في الشرع قصاص وغرامة، فيجب ألا يتعدى عنه، وإن كان العفو عن الجائر أيضا أفضل وأولى وأقرب إلى الورع والتقوى، وإن لم يرد له بخصوصه من الشرع حكومة معينة، وجب أن يقتصر في الانتقام وما يحصل به التشفي على ما ليس فيه حرمة ولا كذب، مثل أن يقابل الفحش والذم وغيرهما من الأذايا التي لم يقدر لها في الشرع حكومة معينة، بقوله: يا قليل الحياء. ويا سيئ الخلق. ويا صفيق الوجه… وأمثال ذلك، إذا كان متصفا بها ومثل قوله: جزاك الله وانتقم منك. ومن أنت؟ وهل أنت إلا من بني فلان ومثل قوله: يا جاهل. ويا أحمق. وهذا ليس فيه كذب مطلقا، إذ ما من أحد إلا وفيه جهل وحمق، (أما الأول) فظاهر، (وأما الثاني) فلما ورد من أن الناس كلهم حمقى في ذات الله.
والدليل على جواز هذا القدر من الانتقام قول الكاظم (ع) في رجلين يتسابان: البادئ منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم. وهما يدلان على جواز الانتصار لغير البادئ من دون وزر ما لم يتعد، ومعلوم أن المراد بالسبب فيهما أمثال الكلمات المذكورة دون الفحش والكلمات الكاذبة، ولا ريب في أن الاقتصار على مجرد ما وردت به الرخصة بعد الشروع في الجواب مشكل، ولعل السكوت عن أصل الجواب وحوالة الانتقام إلى رب الأرباب أيسر وأفضل، ما لم يؤد إلى فتور الحِمْية والغيرة، إذ أكثر الناس لا يقدر على ضبط نفسه عند فور الغضب، لاختلاف حالهم في حدوث الغضب وزواله.
قال رسول الله (ص): ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى منهم بطيء الغضب سريع الفيء، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء، فتلك بتلك. ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء، ومنهم بطيء الغضب بطيء الفيء ألا وإن خيرهم البطيء الغضب السريع الفيء، وشرهم السريع الغضب البطيء الفيء.
وقد ورد في خبر آخر: إن المؤمن سريع الغضب سريع الرضا، فهذه بتلك. ثم طريق العلاج في ترك الانتقام: أن يتنبه على سوء عاقبته في العاجل والآجل، ويتذكر فوائد تركه، ويعلم أن الحوالة إلى المنتقم الحقيقي أحسن وأولى، وإن انتقامه أشد وأقوى، ثم يتأمل في فوائد العفو وفضيلته، كما يأتي
العفو ضد الانتقام
وهو إسقاط ما يستحقه من قصاص أو غرامة، ففرقه عن الحلم وكظم الغيظ ظاهر، والآيات والأخبار في مدحه وحسنه أكثر من تحصى، قال الله تعالى سبحانه: (خذ العفو وأمر بالعُرف) وقال: (وليعفوا وليصفحوا) وقال: (وإن تعفوا أقرب للتقوى).
وقال رسول الله (ص): (ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت حالفا لحلفت عليهن: ما نقصت صدقة من مال فتصدقوا، ولا عفا رجل من مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر). وقال (ص): (العفو لا يزيد العبد إلا عزا، فاعفوا يعزكم الله). وقال (ص) لعقبة: (ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك)، وقال (ص) قال موسى: يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفا.
وقال سيد الساجدين (ع) إذا كان يوم القيامة، جمع الله الأولين والآخِرين في صعيد واحد، ثم ينادي مناد: أين أهل الفضل؟ قال فيقوم عَنق من الناس فتلقاهم الملائكة، فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم، ادخلوا الجنة. وقال الباقر (ع): (الندامة على العفو أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة).
وقال الصادق (ع): ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: تعفو عمن ظلمك.. إلى آخر الحديث، وقال أبو الحسن (ع): (ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا). وكفى للعفو فضلا وشرافة أنه من أجمل الصفات الإلهية، وقد يمدح الله تعالى به مقام الخضوع والتذلل، قال سيد الساجدين عليه السلام: أنت الذي سميت نفسك بالعفو، فاعف عني. وقال (ع) أنت الذي عفوه أعلى من عقابه.



