اخر الأخباراوراق المراقب

علامات المجتمع ما قبل المتحضر

المجتمع ما قبل المتحضر من علاماته، انه لا يسيطر على قوته الغضبية، ولا على قوته الشهوية، ولا يخضعهما لقواعد ولا يضبطهما ضمن أحكام شرعية أو عقلائية متواضع عليها.

وفي نموذج آخر وعلاقة أخرى، نجد ان المجتمع كان ما قبل المتحضر، يئد البنات علناً، وإذا به يدعو في مرحلة ما بعد التحضر إلى الإجهاض، على أوسع النطاقات جهراً، لا لضرورة قصوى بل لمجرد التشهي.

وعلامة أخرى وهي: ان المجتمع ما قبل المتحضر، ينتهج السرقة طريقاً للحصول على المبتغيات، وإذا بك ترى المجتمع الذي يسمّي نفسه بـ”المتحضر”، وهو في الواقع ما بعد المتحضر الذي ارتكس إلى أسفل دركات السافلين، ينتهج منهج السرقة المقنعة وغير المقنعة، منهجاً شاملاً في الحياة.

وعلى سبيل المثال: فإن (خفض قيمة العملة) بقرار من حاكم المصرف المركزي، أو بإملاء عليه من الملك أو الأمير أو الرئيس أو القائد أو الحزب الحاكم، يعني سرقة مقنعة شاملة من أموال جميع الناس؛ إذ يسرق بذلك من القوة الشرائية لجميع النقود التي يمتلكها أفراد الشعب حتى أكثرهم فقراً، لكنها سرقة مقنعة بقناع حضاري، لذلك لا يفهمها معظم الناس بل حتى من فهمها، فإنما يفهمها ملطفة لا تعكس مدى فداحة قبحها.

وخفض العملة سرقة مباشرة، لأنه يعني أن الحكومة عندما تعطي الرواتب للموظفين، ولنفرض أن الراتب هو مليون دينار عراقي معدلاً، ففي مرحلة ما قبل خفض العملة كنت تشتري بالمليون عشرة أمتار من الأرض أو أربعة خرفان مثلاً، لكنك بعد خفضها لا يمكنك أن تشتري إلا خروفين، أو ثلاثة خرفان أو خمسة أمتار أو سبعة ونصف أو أقل أو أكثر، على حسب نسبة خفضها، وقد تخفضها 10% مما يعني سرقة 10% من القوة الشرائية فتساوي المليون حينئذٍ 900 ألف دينار فقط.

وعوداً إلى علائم الجاهلية والمجتمع ما قبل المتحضر ومظاهرها، فانّ الجاهلية، أو مرحلة ما قبل التحضر التي قد يدخلها المجتمع المتحضر عائداً على أعقابه، تعني فيما تعني، النهوة العشائرية، التي تعد خروجاً على أحكام الشرع وعلى الطريقة العقلائية، إذ يملك في منطقهم، العم بل وابن العم، السلطة على أن يمنع ابنة عمه من الزواج بمن رضيته ورضيها ووافق عليه أبوها، عبثاً لكي يجبرها على الزواج منه، لا.. بل حتى لمجرد العناد فيرون له الحق في أن يمنعها من الزواج بأي شخص أبداً حتى تموت، إنها جاهلية قد تتصف بها عشيرة تخرّج شيخها وأبناؤها من أرقى الجامعات، لكنها أخلاق جاهلية وعقلية ما قبل متحضرة.

وعلى مستوى الحكام، فإن الحاكم الذي قال عنه الإمام علي (عليه السلام) بـ (وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق‏)، والذي يسحق حقوق الناس ويصادر أموالهم يعدّ التجسيد الآخر للشخص الجاهلي الذي يجسد مرحلة ما قبل التحضر، وإن كان متخرجاً من أرقى الجامعات الغربية.. وذلك فيما إذا كان مستبداً جباراً وإن كان يعد من أذكى الأذكياء بمنطق مكيافيللي.

ويكفي كشاهد شديد الدلالة على ذلك، ذلك الحاكم الجائر المعروف الذي كان يمتلك قلباً شديد القساوة، لكنه كان يتظاهر بالحلم ويسعى في مواطن شتى للتأشير على ذلك، إلا انه كان ينتقم من أعدائه بقتلهم غِيلة، وبـ(ان لله جنوداً من عسل) وبالمؤامرات التي تحاك في ظلم الليل البهيم.

ومن أغرب القصص الكاشفة عن ساديته ومكره في الوقت نفسه، طريقة انتقامه من إعرابي بسيط شر انتقام، ولكن مع التظاهر الشديد بالسماحة والحلم حتى أنك لا تعلم بانه هو الذي وجّه ذلك الإعرابي إلى موت محتم بلفتة شيطانية بارعة.. فقد نقل ان إعرابياً متهوراً طائشاً جمعه وأصحابَه مجلسٌ فبدأ يسرد بطولاته فقال له أحدهم، إن كنت شجاعاً حقاً فأذهب إلى الخليفة واشتمه أمام الناس، فقال: نعم.. وما أسهل ذلك، فقصد الخليفة (أي المسمى به) وصلى في المسجد خلفه ثم شتمه بصوت عالٍ بسباب بذيء.

لكن هذا الوحش المتظاهر بالحلم الذي لم يكن يريد أن يأخذ الناس انطباعاً عنه بانه قاسٍ، وكان مع ذلك يريد الانتقام من ذلك الإعرابي شر انتقام، التفت إليه بهدوء وقال: لماذا شتمتني؟ فقال: لأنني أردت أن أثبت شجاعتي، فقال له الوحش – الحليم: ليست الشجاعة أن تسبني بل الشجاعة أن تسب فلاناً، وذكر له اسم أحد رجالات العشائر المعروف بقسوته وطيشه، فاغتر الإعرابي بذلك وقال نعم سأذهب إليه.. فلما ذهب إليه وشتمه أمر ذلك الرجل القاسي ظاهراً وباطناً بقتله فوراً، وهكذا انتقم منه ذلك الحاكم الجائر شر انتقام، لكن عبر لفتة ذكية تخفي واقعه خلف قناع براق من الحلم.

وهكذا يفعل أسياد الغرب الآن، إذ يتشدقون بالديمقراطية وحقوق الإنسان ولكنهم هم الذين يصدِّرون أخطر أنواع الأسلحة الجرثومية والمكروبية والإشعاعية وغيرها لمختلف دول العالم وبأرقام خيالية، تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات.

وعلامة أخرى، على مستوى الشعوب، فإن المجتمع المتحضر هو ذلك المجتمع الذي يتعاون أفراده وأحزابه وعشائره ونقاباته واتحاداته وحوزاته وجامعاته، للرقي بالأمة كلها، عكس المجتمع ما قبل المتحضر، وما بعد المتحضر المرتكس والهابط والمتراجع، فإنه الذي يعيش أفراده وتعيش أحزابه وحوزاته وجامعاته، كجزر منعزلة، فلا تعاون ولا تؤازر ولا مواساة ولا إيثار، بل ولا تآخٍ، بل تكون (الأنا) الضيّقة هي الحاكمة حكومة مطلقة وتكون المصالح الشخصية هي المحور والمدار وهي التي عليها الاعتبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى