“رجال من لگش” تجارب إنسانية في حياة مقاومي الأنظمة الدكتاتورية القمعية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
هناك العديد من الروايات التي تتكلم بصورة جلية عن الظلم الذي تعرض له العراقيون خلال فترة الدكتاتورية الصدامية التي أحرقت الأخضر واليابس في حروبها ضد جيرانها حتى أصبح الهروب من البلاد من أهم الظواهر التي أنتجتها تلك الحروب والحصار الذي أعقبها فكان مشهد السفر تحت عنوان البحث عن عمل سمة بارزة في تلك المرحلة البائسة من تأريخ العراق وقد ظهر ذلك الامر في الكثير من الاعمال الادبية وفي مقدمتها رواية” رجال من لگش” للروائي سلمان عبد مهوس.
وعن هذه الرواية قال الناقد رأفت عادل في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: تعد رواية “رجال من لگش” للروائي سلمان عبد مهوس عملاً أدبيًا رائدًا يحمل في طياته تأريخًا حيًا لشخصيات وأحداث نضالية تفاعل فيها الأبطال مع جغرافيا المعاناة والنضال في سياقين مختلفين: جبال قنديل في العراق، وبلاد سيدي عمير في ليبيا، فالرواية تنطوي على العديد من الطبقات المعقدة من المشاعر والتجارب الإنسانية التي شكلت حياة المقاومين في مواجهة الأنظمة الدكتاتورية القمعية.
وأضاف إن” الرواية تبدأ في إطار جغرافي قد يبدو ضيقاً في البداية (بغداد ساحة حافظ القاضي) وزمان محدد (١٩-آب-١٩٩٧) حيث تنطلق الرواية بالقارئ إلى فضاءات وجغرافيا و شخوص وأماكن وزمان واسع يربط بين لگش و قنديل { عندما أعلن سائق الـ(التويوتا سوبر) انطلاق الرحلة} تبدأ معها الأحداث من العراق إلى ليبيا، وهذا ما يعكس توحد نضال الشعوب ضد الظلم في سياقات ثقافية وتأريخية متنوعة، من خلال أسلوبه السردي المشبع بالحركة والأحداث، حيث يطرح لنا قضية الظلم السياسي والاجتماعي بأسلوب بعيداً عن التبجح والاستعراض، مما يجعل من الرواية مرآة حية لما عاشته شريحة من الشعب العراقي في مقاومتها طغيان الأنظمة وحلمهما بالتحرر”.
ولفت الى أن”البطل التأريخي أوركاجينا، الذي يُمثل رمز الثورة والمقاومة في لگش، يظهر كقوة محورية في الرواية، غير أنه ليس فقط بطلًا تاريخيًا بل هو فكرة وجسد لأحلام وطموحات شعب مناضل. تتنقل الرواية بين موقعين أساسيين: قنديل، الجبل الذي تحولت إلى رمز للقوة والنضال، وسيدي عمير، في ليبيا، الذي يمثل مرجعية أخرى للمقاومين العراقيين، حيث وصلوا إليها منفيين ومجردين من كل شيء إلا من “الوجع والألم”.
وتابع:إن”الربط بين جبال قنديل في العراق وسيدي عمير في ليبيا يحمل دلالة عميقة حول الشتات الثوري. فتأريخيًا، شهدت المنطقة العربية، خصوصًا العراق، فترات من القمع السياسي والتشريد، حيث أضطر العديد من المناضلين للهروب إلى البلدان التي توفر لهم مأوى وفرصة للمتابعة في الكفاح ضد أنظمة مستبدة. هنا، يعرض مهوس في روايته كيف تأثرت حياة هؤلاء المناضلين في المنفى وأثر هذا الشتات في تشكيل هويتهم الجديدة”.
وأشار الى أن” الكتابة عن شخصيات عاشت في زمن الصراع والنضال تركز على أبعاد إنسانية لا تقتصر فقط على البطولات بل على المعاناة اليومية والآلام النفسية التي يتعرض لها المناضلون وأسرهم. هذا يساهم في تقديم صورة موازية عن الحياة في المنفى واللجوء، وهو أمر قليل ما يبرز في الأدب العربي المعاصر”.
وأوضح :”أنه من خلال سرد الأحداث بتقنيات متعددة، يخلق الكاتب شخصيات مركبة تتراوح بين الواقعية والتأريخية، مما يجعل الرواية مليئة بالتوترات الدرامية. البطل هنا ليس مجرد فرد بل يمثل مجموعة من القيم والمبادئ التي يتبناها الشعب العراقي في مسعى للتحرر”.
وبين أن”الرواية تُبرز فكرة “المسرح” الذي يتنقل بين جبال قنديل وموطن المنفى في ليبيا، ما يجعل من كل مرحلة في الرواية بمثابة حلقة في قصة أكبر تتخطى حدود الزمان والمكان. الرواية هنا تشبه إلى حد ما مسرحًا للأحداث النضالية التي تجمع بين الأمل والإحباط، الانتظار والانطلاق نحو المستقبل، مُحاكيةً حكايات “الأبطال الذين عاشوا في مسرح عنوانه النضال”.
وأكمل إن “رواية” رجال من لكش” شهادة تأريخية حية ومهمة تتناول نضالًا شعبيًا ضد الظلم والاستبداد بإحكامه في البناء السردي، وابتكاره في استحضار الأحداث التأريخية والمعاناة البشرية، يحقق مهوس توازنًا بين الواقعية الأدبية وبين الرمزية الثورية. الرواية تقدم للمثقف العربي صورة مؤلمة عن حياة الثوار في المنفى، وعن معركتهم المستمرة ضد النظم الاستبدادية”.



