التشكيلي عدنان عباس.. رسام الواقع العراقي بألوان طفولية

يعشق بغداد ويدونها عبر ذاكرة جمالية
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …
يعد الفنان التشكيلي الدكتور عدنان عباس، واحداً من الفنانين العاشقين لمدينة بغداد التي أحبها منذ طفولته، لذلك يعمد إلى تدوينها لونياً من ذاكرة حية تشع بالجمال.
وقال عباس في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: “لقد رسمت الكثير من اللوحات الفنية التي تنمُّ عن حبي للعراق ولاسيما العاصمة بغداد، لعشقي لها منذ الطفولة، لذلك يرى الجميع ان أغلب أعمالي لا تنأى عن الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مر بها بلدي العراق”.
وأضاف: ان “المشروع الفني لأي فنان تشكيلي لا يكتمل إلا عندما يكون مشروعاً معرفياً والتشكيل بحد ذاته كمنظومة بصرية يدخل ضمن مقتضيات المعرفة والتلقي، وهو في النهاية يشكل الاغتراب والوجود الخاص به عن أي من منظومات الفكر والعلم في عالمنا المعاصر”.
وتابع: ان “الواقعية الفنية هي المدرسة التي كانت ومازلت هي الأساس الذي اتكئ عليه في رسوماتي ومن يعتقد بان الواقعية مهارة بسيطة ممكنة الاكتساب بالتدريب هو اعتقاد خاطئ، ما أسهل تفنيده ودحضه بالشواهد التي عايشناها لثلاثة عقود من الدراسة والعمل داخل المشهد الثقافي العراقي”.
من جهته، قال الناقد رحيم يوسف في قراءة نقدية تلقتها “المراقب العراقي”: ان “أعمال الفنان التشكيلي الدكتور عدنان عباس التي يمكن وضعها في خانة التميز، لأنها تشتمل على كم كبير من الادهاش والمتعة البصرية التي تتميز بها من بين العديد من التجارب الفنية لمجايليه أو لمن سبقوه حتى في ذات المضمار الصعب الذي خاض فيه متحدياً بلذة، الفنان العارف المتمكن، وأقول تحدياً لان الخوض في عملية انتاج الفن هو واحد من أهم التحديات الكبيرة التي تواجه المشتغل فيه لأسباب عديدة قد يعرفها الجميع، ونحن لسنا في مدار الكتابة عنها، إلا إذا جاءت في سياق الكتابة العام عن فنه”.
وأضاف: ان “التجربة تفرض حضورها بسهولة شديدة سيما من المتلقين كفنانين أو متلقين للفن أو حتى من المتابعين الذين لا يمتلكون الخبرات الكافية في عملية التلقي الفني، ولعل هذا أول ما خطر ببالي وأنا اتعرف للمرة الأولى على تجربته الفنية التشكيلية في منطقة تعج بكل ما هو غرائبي وينتمي للواقع العراقي الراهن ، على اعتبار ان البيئة الشعبية هي معين لا ينضب للفنان المشتغل في مسارات الواقعية في الفن التشكيلي العراقي، فكانت موضوعاته تمثل هذا الواقع الغرائبي لا بما هو قائم، بل بإعادة تشكيله وفق رؤيته الفنية وقدراته الادائية المختلفة”.
وتابع: “منذ بداياته الأولى في تسعينيات القرن الماضي، دأب الفنان التشكيلي الدكتور عدنان عباس على تأسيس وترسيخ مشروعه الفني الجمالي، متزوداً بالمعرفة الأكاديمية وما يوازيها، تلك المعرفة التي خاضها منذ المرحلة الأولى في معهد الفنون الجميلة، مروراً بدرجة البكالوريوس، فالماجستير، وصولا الى حصوله على شهادة الدكتوراه، وقد اختط مسارا عمليا وادائيا واضحا عبر تلك السنوات التي مرت، حتى تمكن من إيجاد البصمة التي تشير اليه في عالم الفن التشكيلي العراقي الواسع، مراهنا على المعرفة الاكاديمية والتجربة الفنية”.
وأوضح: ان “عدنان عباس الذي يتماثل مع البعض من الفنانين من عشاق المدينة التي أحبها، يعمد إلى تدوينها من ذاكرة حية تشع بالجمال، يدون جمالها المفقود بروحية الفنان العارف بالشعر والموسيقى، ولذلك فان عملية تعامله مع اللون تحملهما معا روحيا، قبل ان تحملهما شكليا، ففي السطوح التي يبثها والتي تختلف عما سبق من أعماله في الواقعية العراقية تبرز الاستفادة الواضحة من الشعر والموسيقى، لان السطح الذي يعمد إلى تدويره انشائيا كتكوين عام يتماهى مع عملية التدوير الشعري، وهو يعمد الى تكرارهما لأسباب جمالية صرفة تؤدي الى قصدياته حتى ان لم يعلنها، ليبدو السطح وكأنه يدور في ذات الدائرة التي أشرنا اليها دون ان يكون حبيساً فيها، وذلك من خلال الفضاءات المفتوحة لتلك السطوح، سواءً أكانت واقعية أو واقعية شيئية”.
وأشار الى ان “قدراته الادائية في التعامل مع اللون تساهم بالكثير من تفسير رؤاه التي تبدو للوهلة الاولى وكأنها تحتشد بالمفردات المحيطة به والتي تتكرر في أكثر من سطح تصويري، غير ان هذا الاحتشاد سرعان ما يتبدد بالتأمل الدقيق لتلك السطوح، ليتمكن المتلقي من فهم الدلالات الرمزية لتلك المفردات على السطح، سواءً كانت لمشخصات مجهولة أو معلومة الهوية أو مفردات شيئية كباص النقل العام الأحمر الذي يتكرر، لكنه وفي بعض السطوح يعمد إلى تجسيد البعض من السيارات القديمة، لتحتل بؤرة السطح، وهو ما يحيل المتلقي الى الحنين لزمن يعيد إلى المدينة البعض من رفاهية مرت بها وهي تتداعى أمام ناظريه بسبب التخريب المتعمد لها وتشويه وجهها المفعم بالجمال”.



