مشروع الشهادة

الشهداء عنوان حياة الأمة التي تعشق الحرية، هؤلاء يستشهدون بطرق شتى، يسقطون في ميادين الكرامة، ثائرين ضد ظلم الطغاة الذين لا يترددون عن قتلهم بأبشع الأساليب، ويستشهدون في طوامير التعذيب بأيدي الجلادين الذين يعيشون بلا روح، ويفكرون بلا عقل، ويتحولون بالتدريج الى عبيد للطغاة ويستشهد الأحرار كذلك بالمقاصل والمشانق والرصاص، بل حتى بقطع الرقاب، ما أكثر اولئك الذين واجهوا السيافين بإيمان راسخ وإباء وشموخ، فكلما سقط أحدهم حمل الآخر رايته وهرع في المضمار يسابق الريح، لكسب رضا الله سبحانه وتعالى.
طرق الاستشهاد وظروفه عديدة، ولكن حقيقته واحدة، فهو انتقال بالروح من عالم البشر الى عالم الملكوت، وطلاق للدنيا الفانية من أجل آخرة باقية، وانسحاب من عالم النفاق والدجل والخداع الى عالم الصدق والبراءة والكرامة، ما أعظم الذين يستمرون في نهجهم حتى يلاقوا ربهم راضين مرضيين، وما أعظم الجهاد بكلمة حق أمام سلطان جائر، يطلقها المجاهد وسرعان ما يدفع حياته ثمنا لها، تلك هي الحرية، سلعة غالية ثمنها الأرواح وخطابها الحرية والكرامة.
تعلم الأحرار معاني الشهادة من الإمام الحسين بن علي “عليه السلام” وأهل بيته وأصحابه، فأحسنوا التعلم وصاغوا معنى الحياة التي تكرم الانسان وترفع مستواه وقيمته. فما الحياة الفانية إلا حقبة للعبور الى الحياة الباقية، فمن تحقق له ذلك في سلامة من دين ودنيا، فقد فاز بالحسنيين، ومن لم يتحقق له ذلك، أصبح عليه ان يوائم بين النقاء الروحي المطلوب منه، والرغبة في الحياة المادية الهانئة. تلك هي فلسفة الحياة وعنوانها، وذلك هو محتوى المشروع الاسلامي الذي يمنح الانسانية معناها وكرامتها.
إن الصراع الأزلي بين الحق والباطل لا يتوقف، الحق الذي يمثله الأنبياء والشهداء، والباطل الذي يمثله الطغاة والدكتاتوريون وعبيد الدنيا والمال والجاه.
والشهداء عنوان مسيرة شعب ونهضة أمة انهم تعبير عن ضمير يقظ وقلب تزدحم فيه الحياة بكل أبعادها، وتتراقص فيه أفكار الحب والاخاء والانسانية والوفاء. لم يموتوا بل ارتفعت أرواحهم الى عالم الخلود عند مليك مقتدر، وما أكثر الذين ينتظرون دورهم على طريق الشهادة خاصة وأننا في ظروف الحرب مع العدو الصهيوني، وما أكثر من باعوا انسانيتهم أو وطنيتهم من الذين لم يكونوا يوما أولياء لله وعباده المؤمنين، بل عبروا بوضوح عن ولائهم لأعداء الأمة، محتلي فلسطين، والمتآمرين على شعوب الامة وهويتها وحقوقها وحريتها.
هؤلاء الطغاة لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة بعد ان ماتت قلوبهم وانعدمت انسانيتهم وتلاشت أخلاقهم وقيمهم حتى باتوا أسوأ من الوحوش المجرمة، لذلك أصبح الصراع معهم مريرا ومتواصلا ومضنيا، ولكنه لدى الأحرار وعشاق الحرية والشهادة، مشروع انساني نبيل لا يتخلى عنه الأحرار والمناضلون، ولا يستسلم فيه من فتح الله قلبه للأيمان، ورأى ان الفرار من الزحف معصية كبرى.



