اخر الأخبار

القانون في حياة الإنسان

7

منذ أن أوجد الله تعالى الوجود والقانون أساس ذلك الوجود الذي به يكون متسقاً ومنظماً وبوساطة القوانين يسير الوجود بانتظام وبدون أي خلل.. كيف لا وهو موضوع بيد أحسن الخالقين، ومن المؤكد أن النظام لا يمكن أن يتسق ويستمر بلا قوانين، فالنظام هو تلك العلاقات المتبادلة المتراتبة بين مكونات الوجود، بينما القانون هو الضابطة التي تحكم ذلك التراتب وتجعله مستمراً وبانتفائها ينتفي النظام.
القانون أساس وجود الإنسان
القانون أساس وجود الإنسان الذي هو أعظم مخلوقات الله جل وعلا، وبانتفائه يقتتل البشر بينهم ويبيد بعضهم بعضاً وكي يتساووا ولا يعلو بعضهم على بعض ولا يعبد بعضهم البعض الآخر فتفسد الأرض طلب إليهم جل وعلا عبادته وحده لا شريك له لا لحاجة له جراء عبادتهم ولا لقوة تأتيه منهم يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ”. وقوانين الله في الأرض أنزلها بوساطة الأنبياء (عليهم السلام) في صورة كتب سماوية ورسالات وجعل لكل نبي وصياً فختمت الرسالات برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وختمت الوصاية بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) لذا يجب أن يسود قانون الله الذي هو دين الإسلام في الأرض. وقد سقنا هذه المقدمة لمعرفة أهمية القانون وضرورته في المجتمع بل في الوجود.
مفهوم القانون
هنالك دلالات كثيرة لكلمة (القانون) حيث تستخدم في مختلف العلوم وتدل كلمة القانون في مثل هذه المواضع ـ بغض الطرف عن سلوك البشر على علاقات موضوعية وواقعية في العالم الخارجي, ولا تطرح كلمة القانون للدلالة على هذا المعنى في المجالات الحقوقية، فحين يكون القانون منهاجاً يوضح للناس ما يجب عليهم فعله أو تركه أو شيئاً ينص على ذلك أو يتطلبه ـ ولو بغير صراحة ـ فإنه يعين حقاً للناس أو لفئة منهم كي يستمر النظام المتطلب لهذا القانون.
ضرورة القانون للمجتمع
ما ضرورة القانون للمجتمع أساساً ؟ وبتعبير آخر، ماذا يحصل لو لم يكن للناس قانون إطلاقاً لإثبات (ضرورة القانون للمجتمع) هنالك عدة مقدمات منها:
حياة الإنسان حياة اجتماعية،أما لماذا هي اجتماعية؟،وهل كونها اجتماعية قد فرض على الإنسان فرضاً أم طبيعة الإنسان تقضي الحياة الاجتماعية بحد ذاتها وليس هناك ثمة عامل عقلائي واختياري يدفع إلى اختيار الحياة الاجتماعية أم العكس ؟ وقد دارت حول هذه البحوث مناقشات كثيرة، أما رأينا فهو أن عامل التعقل يترك تأثيره في اختيار الحياة الاجتماعية، فلما كان الإنسان يرى في الحياة الاجتماعية منافع له، ويلاحظ أن حاجاته المادية والمعنوية لا تؤمّن إطلاقاً بمعزل عن المجتمع أو لا تلبى بالشكل المطلوب والكامل لذا نراه يرضخ للحياة الجماعية ويتقبل ظروفها وشروطها.
من مستلزمات الحياة الاجتماعية التزاحم والتعارض فيما بين مصالح أبناء المجتمع،فإذا أراد الناس أن يعيشوا حياة اجتماعية والتعايش مع بعضهم والتعاون فيما بينهم وتقسيم منجزات هذا التعاون وتوزيعه فيما بينهم، فسيظهر التضاد والتعارض بين مصالحهم ورغباتهم، إذ سيرغب بعضهم في الانتفاع بقدر أكبر من بعضهم الآخر والاستفادة من أمور خاصة واستثمار المواهب الطبيعة بشكل غير محدود، أو يرغبون في التعامل مع الآخرين بما يوافق رغباتهم، وهذه أمور لا يقبلها الآخرون،وهكذا تبرز بالضرورة نزاعات في الميدان الاجتماعي ينبغي تعيين (حدود) للحيلولة دون وقوعها وتدوين قوانين من أجل ذلك، وهذه أيضاً قضية بديهية ينبع وضوحها من أننا لو تأملنا قليلاً في رغبات الإنسان ـ سواء المادية منها أم المعنوية ـ (والمقصود هنا ما يرتبط بحياته الاجتماعية) فسوف نجد أن تلبية كل رغبات الأفراد بشكل غير محدود أمر غير ممكن،ولو أراد البشر أن يحيوا جماعية فعليهم تعيين (حدود) لرغباتهم والامتناع عن التصرف كيفما يشاؤون. أما أين تقع هذه الحدود؟،وكيف يتم وضعها؟ فهي قضية ينبغي البحث فيها في موضعها.أما ما نريده هنا فهو أنه: لو لم تراع الحدود فسوف تبرز بالتأكيد تناقضات تزعزع الحياة الاجتماعية وتؤدي إلى انهيارها.
إننا بحاجة إلى (الحدود) من أجل إزالة هذه التناقضات أو التقليل منها،فلو لم نضع حدوداً لانتفاع الأفراد في الحياة الاجتماعية أو لم يراع الناس هذه الحدود فلن يتحقق هدف الحياة الجماعية المتمثل في الانتفاع بأكبر قدر ممكن من المواهب الطبيعية من أجل تكامل الإنسان مادياً ومعنوياً، إذن ينبغي أن تدار الحياة الاجتماعية وبما يفسح من المجال للتكامل المضطرد لكل أفراد المجتمع، وعند ذاك فقط يتحقق الغرض من الحياة الاجتماعية بالشكل الصحيح.
من مجموع هذه المقدمات الثلاث نتوصل إلى أنّ وجود القانون ضروري للمجتمع أي يجب على أفراد أي مجتمع مراعاة حدود معينة في سلوكهم وأعمالهم لكي يتمكن الجميع من الانتفاع مادياً ومعنوياً من الحياة بالشكل المطلوب واللائق،ولو اضطربت الحدود ولم يحكم القانون فلن يبلغ المجتمع هدفه،وهكذا فالقانون -وفقاً لهذا الدليل الذي ذكرناه – ضروري لأيّ حياة اجتماعية.
ضرورة كون القانون إلهياً
القضية الرئيسة التي يدور حولها بحثنا والتي نستند إليها هي أنه لابدّ أن يكون القانون إلهياً في النظام القائم على الإسلام,ولكن لماذا نصّر على أن نثبت أن القانون السائد في المجتمع ينبغي أن يكون إلهياً لا غير؟. السبب هو الإدعاء بأنّ الإسلام كنظام شامل قادر على تدبير أمور المجتمع وإدارته،وبما أننا مسلمون ونؤمن بأن تطبيق مبادئه يضمن السعادة للجميع فيجب علينا الوقوف بحزم في وجه الأنظمة والمذاهب المختلفة، والاتجاهات المتنوعة التي خضعت لها معظم بلدان العالم بدرجات متفاوتة،والدفاع كما ينبغي عن حرمة عقيدتنا ومبادئنا بسلاح الاستدلال والفكر،وكذلك دعوة الآخرين إلى اعتناق هذه العقيدة،وفكرة (كون القانون إلهياً) تواجه أيضاً معارضين لها يقولون..لا وجود لـ (القانون الإلهي) على الإطلاق،بل إن القانون هو الذي يضعه فرد أو جماعة أو كل الناس، وليس لدينا مصدر للتشريع غير هذا.
وأصحاب هذه الفكرة ينقسمون إلى فريقين: فريق ينكر بالأساس ما وراء الطبيعة ولا يؤمنون بالغيب ونتيجة لذلك ينكرون الأديان السماوية. ويمثل هذا الفريق: المذاهب الإلحادية والمادية..وفريق يقول: إن الدين موجود لكن فاعليته تنحصر فقط في تحديد العلاقة بين الإنسان والله، ومكانه في المعابد والمساجد والكنائس ولا مكان له في الحياة الاجتماعية،وهذه هي بالذات فكرة (فصل الدين عن السياسة) التي نبذها مجتمعنا الإسلامي منذ أمد بعيد.
ومن الواضح أنه لا نقاش لنا مع الفريق الأول، لأن بناءهم منهار من أساسه وتم تفنيده في أكثر من بحث ونقاش، وهم لا يعترفون أصلاً بأسس إيديولوجيتنا وأصولها فضلاً على القوانين النابعة عنها،والنقاش مع هذا الفريق إن لزم فسيكون حول الأفكار الأساس،أي اثبات الخالق والنبي والإمام والوحي وأمثال ذلك.
فكلامنا في هذا المجال إذاً موجّه إلى أولئك الذين يؤمنون بوجود الله والنبي والدين لكنهم يعتقدون أن الأمور التي أوحى بها الله إلى النبي مجموعة من المناهج الأخلاقية والعبادية والفردية ولا علاقة لها بالمجتمع والحياة الاجتماعية لبني البشر.
أما نحن فنؤمن أن مضمون الأديان الإلهية يشتمل على تعاليم للحياة الاجتماعية أيضاً، أي أن هناك قوانين في هذا المجال، وهي قوانين حقوقية واجتماعية والعمل بهذه القوانين واجب أيضاً، ونحن لا نحتاج إلى كثير من الايضاح لإثبات هذا الأمر من وجهة نظر الإسلام. فالإسلام يقول: “إن الله أنزل قوانين تضمن الحفاظ على العدالة الاجتماعية في المجتمع،والهدف من إنزال القوانين الاجتماعية يتمثل أيضاً في إقرار العدالة الاجتماعية،لكن تعاليم الإسلام لا تنحصر في القوانين الاجتماعية،حيث تتضمن أيضاً الكثير من الأحكام العبادية والفردية التي لم يكن الهدف من إنزالها إقرار القسط في المجتمع،لكن الذي تحدث عنه القرآن بعنوان (الكتاب والميزان) هو بالذات ما يطلق عليه اليوم في القاموس العالمي اسم (القوانين).
والهدف من إنزال الكتاب والميزان،أن يكون ميزاناً يقاس به سلوك الإنسان في حياته الجماعية، وليعرف كيف يتصرف، وهكذا كان إرسال هذا الميزان والقانون من أجل إقامة العدالة في المجتمع. إذاً: أولاً: ينبغي إقامة العدالة الاجتماعية،ثانياً:يتمثل سبيل بلوغ العدالة الاجتماعية في العمل بالتعاليم والقوانين التي أنزلها الله تعالى.
ووجود هذا الادعاء أمر واضح،أي لو كان لأحدنا أقل إلمام بالقرآن والأفكار الإسلامية، لما شك في أن الإسلام يرغب في إقرار العدالة الاجتماعية عن طريق العمل بتعاليم الله تعالى.
أما لماذا يؤكد الإسلام هذا الحد على وجوب تطبيق القوانين الإلهية في المجتمع؟، ولماذا تعد هذه القوانين مما يضمن إقرار العدالة الاجتماعية؟، فسوف نورد بشكل مختصر دليلاً واضحاً لإثبات هذه القضية،ثم نواصل بحثنا.
بالتعريف الذي أوردناه لـ (القانون) وكذلك الدليل لإثبات (ضرورة وجود القانون) يمكن القول إن المطلوب هو ذلك القانون الذي يشمل كل أبعاد كيان الإنسان من مادية ومعنوية ويضمن تكامله في الجوانب كلها وعدم خرقه للنظام. وذلك من أجل تحقيق الهدف من الحياة الاجتماعية بالشكل الصحيح،وهذا الهدف هو أن يبلغ أفراد البشر أكبر قدرٍ يمكن من الكمال المادي والمعنوي بأفضل صورة.وهنا نقول:إن القانون المطلوب هو ذلك القانون الذي يساعد أفراد المجتمع كافة على التكامل المادي والمعنوي.ولو وجدنا قانوناً ينفع فئة من المجتمع ويحقق تطبيقه مصالح جماعة معينة وتبقى الفئات الأخرى محرومة من ذلك ـ سواء كانت أقلية أم أكثرية ـ ولا تؤمّن مصالحها الحقيقية،فلن يرغب في مثل هذا القانون،لأن على القانون أن يحقق مصالح أفراد المجتمع كافة،فإحدى خصائص القانون إذن أن يكون مؤشراً وبنّاءً في تحقيق مصالح كل الأفراد الذين يعيشون في المجتمع بأفضل صورة ـ عند تطبيقه بالطبع،وبحثنا يدور هنا حول القانون نفسه وليس حول تطبيقه ـ وأن لا يقتصر على تحقيق المصالح المادية للأفراد،بل يفسح المجال كذلك أمام نضجهم المعنوي،إذ إن الإنسان لا يقتصر على الجسم،وأبعاد كيانه ليست مادية فقط.
وقد ثبت عدم كون الإنسان مادياً في عدة بحوث،ولذا نستند إلى هذا المبدأ الموضوعي،فالإنسان ـ في نظر الإسلام على الأقل ـ لا يعدّ كائناً مادياً منحصراً في البدن وتقتصر رغباته وحاجاته على المادة،ولا يفوتنا أننا هنا في معرض تبيان النظرة الإسلامية التي تعدّ الإنسان كائناً ذا أبعاد مادية وروحية بل يعد البعد الروحي بعده الرئيس،وليست المادة والبدن سوى وسيلة لتكامل روح الإنسان،وهكذا ينبغي أن تكون القوانين الاجتماعية لهذا الإنسان بشكل يوفّر مصالحه المعنوية وتكامله الروحي والمعنوي،فوضع مثل هذه القوانين لا يقدر عليه إلا الذي يعرف أبعاد كيان الإنسان كلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى