اخر الأخبار

العفة و الایثار

الایثار هو أسمى درجات الكرم، وأرفع مفاهيمه، ولا يتحلى بهذه الصفة المثالية النادرة، إلا الذين تحلوا بالأريحية، وبلغوا قمة السخاء، فجادوا بالعطاء، وهم بأمسّ الحاجة اليه، وآثروا بالنوال، وهم في ضنك من الحياة. وقد أشاد القرآن بفضلهم قائلاً: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة».
وقد كان صلى اللّه عليه وآله يؤثر على نفسه البؤساء والمعوزين، فيجود عليهم بماله وقوته، ويظل طاوياً، وربما شد حجر المجاعة على بطنه مواساة لهم.
قال الباقر عليه السلام: «ما شبع النبي من خبز بُر ثلاثة أيام متوالية، منذ بعثه اللّه إلى أن قبضه».
وهكذا كان أهل بيته عليهم السلام في كرمهم وإيثارهم.. وقال الصادق عليه السلام: «كان عليّ أشبه الناس برسول اللّه، كان يأكل الخبز والزيت، ويطعم الناس الخبز واللحم».. وفي علي وأهل بيته الطاهرين، ونزلت الآية الكريمة: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نطعمكم لوجه اللّه لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً» فقد أجمع أولياء أهل البيت على نزولها في علي وفاطمة والحسن والحسين.
العفة هو الامتناع والترفع عمّا لا يحل أو لا يجمل، من شهوات البطن والجنس، والتحرر من استرقاقها المُذِل, وهي من أنبل السجايا، وأرفع الخصائص. الدالة على سمو الايمان، وشرف النفس، وعزّ الكرامة، وقد أشادت بفضلها الآثار:
وقال رجل للباقر عليه السلام: «إني ضعيف العمل، قليل الصلاة قليل الصيام، ولكني أرجو أن لا آكل إلا حلالاً، ولا أنكح إلا حلالاً. فقال له: وأيّ جهاد أفضل من عفة بطن وفرج».
ليس المراد بالعفة، حرمان النفس من أشواقها ورغائبها المشروعة، في المطعم والجنس وإنما الغرض منها، هو القصد والاعتدال في تعاطيها وممارستها، إذ كل إفراط أو تفريط مضر بالانسان، وداع الى شقائه وبؤسه: فالإفراط في شهوات البطن والجنس، يفضيان به الى المخاطر الجسيمة، والأضرار الماحقة، ویسمی (الشره), والتفريط فيها كذلك، باعث على الحرمان من متع الحياة، ولذائذها المشروعة، وموجب لهزال الجسد، وضعف طاقاته ومعنوياته.وخير مقياس لذلك هو ما حدّده أمير المؤمنين علیه السلام، وهو يحدث أبنه الامام الحسن عليه السلام: «يا بني الا اُعلّمك أربع كلمات تستغني بها عن الطب؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه، وجوّد المضغ، وإذا نمت فأعرض نفسك على الخلاء، فاذا استعملت هذا استغنيت عن الطب» وقال: إنّ في القرآن لآية تجمع الطب كله: «كلوا واشربوا ولا تسرفوا».
لا ريب أنّ العفة، هي من أنبل السجايا، وأرفع الفضائل، المعربة عن سمو الايمان، وشرف النفس، والباعثة على سعادة المجتمع والفرد,وهي الخلّة المشرفة التي تزين الانسان، وتسمو به عن مزريات الشره والجشع، وتصونه عن التملق للئام، استدراراً لعطفهم ونوالهم، وتحفّزه على كسب وسائل العيش ورغائب الحياة، بطرقها المشروعة، وأساليبها العفيفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى