اخر الأخبارثقافية

“آمنت بالحسين”.. حروف الجواهري الممزوجة بالدموع الخاشعة

اُلقيت في المرقد الشريف قبل 70 عاما

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …

يرى الناقد علاء جمعة أن قصيدة “آمنت بالحسين” للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري هي حروف جواهرية ممزوجة بالدموع الخاشعة ولها حكاية يجب أن تقال.

وقال جمعة في تصريح خص به ” المراقب العراقي”: قبل أكثر من عامين وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة كنت أنا والدكتور فلاح نجل الجواهري الكبير نختلي كعادتنا في صومعته التي تقع في آخر حديقة منزله والتي تحتوي على مرسمه ومكتبة عامرة وكانت أحاديثنا مزيجا من الذكريات والحكايات الأدبية والفنية .. وكان يُسمعني في حينها قصائد للجواهري كان قد سجلها بصوته ومنها قصيدة “آمنت بالحسين” فاجتاحني الفضول مقاطعا له وسألته ؛- هل لك ذكريات عن تلك القصيدة قاصدا أحداث كتابتها وحفل إلقائها فوافق وكانت هذه الموافقة تعد وثيقة تأريخية لا يمكن تفويتها لاحداث أسهمت في كتابة تلك القصيدة الخالدة، وهنا سحبت هاتفي الذي كان على الطاولة التي بيننا لكي أكتب في صفحة الملاحظات ما سوف يقوله من اسماء وتواريخ فقط وكان علي ان استذكر باقي التفاصيل .فقال لي : ماذا تفعل ، قلت : اريد ان أكتب ما سوف تقوله لي عن تلك القصيدة ،فقال: لا .. لا .. في مرة قادمة… فقلت: سوف لن أوقفك أثناء سردك للأحداث وسوف أكتب ما أستطيع واحفظ الجزء الذي لا أستطيع كتابته ولن أطلب منك الإعادة لكي لا نخرب جلستنا وتصبح جلسة توثيق، وهذا ما كان يزعجه،عند عودتي متأخرا في تلك الليلة اكملت ما كنت قد كتبت من ملاحظات”.

وأضاف :”واليوم بمناسبة مرور أكثر من سبعين عاما على هذه القصيدة الخالدة ارتأيت نشر الأحداث التي رافقت كتابتها مما استطعت تدوينه في تلك الليلة وبما جادت به ذاكرة وشهادة د. فلاح  الجواهري فهو يتذكر ذلك الحدث في نهاية منتصف القرن الماضي وقد وجهت في حينها دعوة للجواهري لإلقاء قصيدة بمناسبة أربعينية استشهاد الإمام الحسين (ع) من قبل سادن الحضرة الحسينية عبد الصالح عبد الحسين آل طعمة الكليدار وكان الجواهري يكن له كل التقدير والاحترام فوافق الجواهري على الدعوة وترك الأيام تمضي لم يكتب القصيدة رغم اقتراب المناسبة، وقبل اليوم الموعود أعتزل أهل بيته في إحدى غرف المنزل  من أجل أن يكتب القصيدة”.

وأوضح :أن”الجواهري لم يكن أحد يجرؤ بالدخول عليه عندما كان يختلي في تلك الغرفة والتي كتب بها قصائد عديدة وكان كعادته في كتابة القصائد يدندن ويردد الكلمات بطريقته الخاصة وبصوت يتصاعد رويدا رويدا وعندها يستشعر من في الدار مع وقع خطواته داخل الغرفة ذهابا وايابا بأن قصيدة جديدة قد ولدت، لكن هذه المرة كانت الأمور مختلفة بعض الشيء فكان يسمع صوتا يشبه النحيب وحشرجات تخنقه بين الحين والآخر فيقول ولده فلاح كنت أنا الوحيد الذي يجرؤ بالدخول عليه فكلما دخلت عليه أشاهده جالسا يكفكف دموعه بمنديل بيده وهو يضم رأسه بين يديه ويلوح لي رافعا يده لكي أخرج من الغرفة وأستمر الجواهري بنظم القصيدة على هذا المنوال الى ساعة متأخرة من تلك الليلة وعند الصباح الباكر يقول أيقظني من النوم لأنه وعدني بأن ياخذني معه إلى كربلاء لحضور الحفل في الموعد المحدد وكان ذلك يوم الأربعاء المصادف ٢٦/١١/١٩٤٧”.

وتابع :”وأثناء ذلك جاء من يطرق الباب … فقد أرسل صديق الجواهري السيد صادق البصام سائقه لكي يبلغنا بجاهزيته للانطلاق إلى كربلاء وكان البصام نائبا في البرلمان أيام العهد الملكي (وأصبح وزيرا فيما بعد) .. فذهبنا إلى مكتبه في شارع المتنبي القريب من بيتنا سيرا على الاقدام حيث كان ينتظرنا في الخارج وبعد التحية والسلام صعدنا جميعا  في سيارته الخاصة وذهبنا إلى كربلاء وعند حلول الظهر وصلنا المدينة وكان على رأس المستقبلين بانتظارنا خارج الصحن الحسيني متصرف لواء كربلاء  طاهر القيسي وسادن الحضرة الحسينية صاحب الدعوة عبد الصالح آل طعمة واعيان ووجهاء المدينة واثناء ذلك كنا نسمع ضجيج الحضور الكبير والمرددين بانتظار خروج الجواهري لكي يصعد المنبر الذي قد أعد لهذه المناسبة وقد تم وضعه أمام بوابة المدخل المؤدي إلى الضريح الشريف في داخل الصحن بحيث عندما وقف الجواهري على المنبر وألقى القصيدة كان يشاهد الضريح أمام عينه، وعندما ألقى القصيدة ووصل إلى البيت الشعري الذي يقول فيه:وَعَفَّرَتْ خَدِّي بحيثُ.. استراحَ خَدّ تفرا ولم يَضْرَعِ…

وكان ينظر إلى الضريح اغرورقت عيناه بالدموع وتعثر لسانه وتوقف للحظة ليبتلع عبرته وليشد من عزمه  و استمر بالإلقاء حتى نهاية القصيدة متماسكا بصعوبة والحضور يتموج في هياج بين التفاعل والبكاء والطلب بإعادة مقاطع من القصيدة”.

وأتم:”وبعد الانتهاء من مراسيم القاء القصيدة وما اخذته من مشاعر الجواهري والحاضرين ذهبنا الى الاستراحة  في نفس تلك الغرفة الخاصة داخل الصحن الحسيني وبعدها أدينا الزيارة مرة والصلاة مرة أخرى وودعنا مرقد الامام الحسين عليه السلام “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى