المعاملة الطيبة وشأنها عند الله

منذ أن وصل الإنسان برحلته إلى محطة تفضيل الاجتماع على الوحدة والتشرّد والخوف، بدأ السعي لتقويض حالة التوحش ومحاصرة الصراع المخلوق في كينونته، فهو كائن يعيش الصراع في عقله وفي مشاعره وتصوراته، وقلما يستطيع المحافظة على التنافس الشريف الذي يقوّض الصراع ويقضي على مخرجاته المؤلمة.
لذلك فإن ميل الإنسان إلى الصراع موجود في طبيعته، ولا يمكن محوه من السلوك البشري، ولكن يمكن السيطرة عليه وتحويله من حالته المؤذية إلى حالة أخرى لا تمحو الصراع لكنها تشذّبه من الأذى الموجود فيه، وتحوّله إلى حالة تنافس مسموح به أو تنافس مشروع، فيعيش الإنسان مع الآخرين في حالة من السلام المثمر.
يحدث هذا من خلال (الحب) الذي يُظهره الإنسان للآخرين في التعامل معهم، ونحن هنا نتكلم عن المسؤول الإداري، والمسؤول في الجوانب الأخرى، بالإضافة إلى الناس جميعهم، نتكلم عن دور الحب في جعل الناس يحبون ويحترمون المسؤول الإداري، أو المدير، أو أي إنسان يمتلك سلطة يطبقها على الآخرين لتحقيق مخرجات معينة.
لهذا يجب أن يحرص المديرون والمسؤولون بكافة أنواعهم، والحكام أيضا، على إبداء الحب الحقيقي في تعاملهم مع الآخرين، فهذا السلوك يضمن لهم انصياعا مستمرا من قبل الأقل درجة إدارية أو وظيفية منهم، وكذلك يضمن محبتهم وتأييدهم للمديرين والمسؤولين والحكام.
ولكي يفوز الإنسان بمحبة الناس، فعليه أن يحقق بعض الشروط في تعاملاته مع الآخرين، وفي المقدمة من هذه الشروط أو المقومات، المعاملة الحسنة مع الآخرين، فمن يريد أن يكسب الناس عليه أولا بالتعامل الإنساني الجيد معهم، مثل لطف الكلام، وبشاشة الوجه، وصدق القلب ونظافته، وعدم التناقض بين ما ينطق به وبين ما يضمره.
وقد ثبت أن المديرين والمسؤولين الناجحين هم الذين يتعاملون مع الآخرين بما يستحقونه من تعامل طيب وحقيقي، بعيدا عن الخداع، وبعيدا عن الأوامر القسرية الصارمة بدون وجه حق، هذا السلوك من المسؤول يجعل العاملين تحت أمرته وإدارته ينصاعون له عن طيب خاطر ويستجيبون لأوامره، ويؤيدونه ويضحون في سبيله عن طيب خاطر، بسبب حسن المعاملة التي يتلقونها منه.
كذلك من مقومات كسب تأييد الآخرين، الاهتمام الصادق بالآخرين، فالمسؤول إذا أهمل العاملين معه وتحت إمرته، لا يمكن أن يحصل على النتائج المرجوة منهم، لهذا ركّز الإسلام على الاهتمام بالناس، حين أوجب ذلك على الجميع، إذ لابد أن يكون المسلم مهتما بأخيه المسلم، فكيف إذا كان مسؤولا عنه؟
هذه النقطة يجب أن يراعيها المسؤولون وكل المديرين وعموم الناس في تعاملاتهم، يجب أن تُظهِر الاهتمام بالآخرين حتى تضمن سلامة تصرفاتهم، وكسب تأييدهم واحترامهم.
وهنالك شرط أو مقوّم آخر يُكمل ما تم ذكره أعلاه وهو التواضع، فمن (تواضع لله رفعه)، ومن تواضع للناس كسب محبتهم، وتأييدهم واحترامهم، وثقتهم أيضا، لهذا فإن المسؤول المتواضع يصدقه العاملون معه، ويثقون به، ويستجيبون له، وينفذون قراراته عن طيب خاطر، صحيح أن القانون يلزم العامل أو الموظف بأداء أوامر المسؤول، ولكن هناك فرق بين أن تؤدي الأمر بالقوة وبين أن تؤديه بالتواضع والاحترام.
كما أن التواضع يُكسب الإنسان السلامة، فلا أحد يفكر في معارضته أو إلحاق الأذى به، فضلا عن أن الإنسان الذي يحترم حقوق الآخرين له شأن كبير عند الله تعالى.



