هل البسملة آية قرآنية.. وهل تُقرأ في الصلاة؟

اختلفت الآراء في ذلك، فقد اتفق الشيعة الإماميّة تبعاً لأئمّة الهدى (عليهم السلام) على أنّها آية تامّة في جميع سور القرآن الكريم (عدا سورة براءة)، والنصوص في ذلك عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) متواترة، أمّا عن طريق العامة، فهنالك روايات كثيرة تدّل على ذلك:
1 ـ عن ابن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قال: فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقرأ السورة.
قال ابن جريح: فقلت لأبي: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية؟ قال: نعم.
2 ـ ما صحَّ عن ابن عباس ـ أيضاً ـ قال: إنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا جاءه جبرائيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، علم أنّها سورة.
3 ـ ما صحّ عن ابن عباس ـ أيضاً ـ قال: كان النبيُّ (صلى الله عليه وآله) لا يعلم ختم السورة حتّى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم.
4 ـ ما صحّ عن أُم سلمة، قالت: كان النبيُّ (صلى الله عليه وآله) يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله ربّ العالمين إلى آخرها ـ يقطعها حرفاً حرفا.
وهنالك حجّة أُخرى على أنّ البسملة آية في كلّ سورة، وهي: إنَّ الصحابة كافّة ومَن بعدهم إلى يومنا هذا، أجمعوا إجماعاً عمليّاً على كتابة البسملة في بداية كلّ سورة ـ عدا سورة براءة ـ كما كتبوا سائر الآيات بلا ميزة، مع أنهم مطبقون على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن إلاّ بميزة تميزه عنه؛ حرصاً منهم على أن لا يختلط فيه شيء من غيره، وقلَّ أن تجتمع الأُمَّة على أمر كاجتماعها على ذلك، وهذا دليل على أنّ البسملة آية مستقلّة في بداية كلّ سورة.
دليل آخر:
من المشهور المأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: “كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع أو أبتر أو أجذم”.
فهل يمكن أن يكون القرآن وهو أفضل ما أوحاه الله إلى أنبيائه أقطع؟ وهل يمكن أن تكون الصلاة ـ وهي خير العمل ـ بتراء جذماء؟. أمّا المخالفون فقد احتجّوا بحُجج لا تصمد أمام النقد العلمي، وقد فنّدها شرف الدين (قدس سره) في كتابه.
روايات في البسملة
عن الإمام الصادق (عليه السلام): “لا تدع {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وإن كان بعده شعر”.
وفي الحديث أنه دخل عبد الله بن يحيى على أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين يديه كرسي، فأمره بالجلوس عليه فجلس عليه، فمال به حتّى سقط على رأسه فأوضح عن عظم رأسه وسال الدم، فأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بماء فغسل عنه ذلك الدمُّ ثم قال: ادنُ مني فوضع يده على موضحته ـ وقد كان يجد من ألمها ما لا صبر له معه ـ ومسح يده عليها، فما هو أن فَعَل ذلك حتّى اندمل، فصار كأنه لم يصبه شيء قطّ.
ثم قال أمير المؤمنين “صلوات الله عليه”: يا عبد الله، الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنهم، لتسلم لهم طاعاتهم، ويستحقوا عليها ثوابها.
فقال عبد الله بن يحيى: وإنّا لا نجازى بذنوبنا إلاّ في الدنيا؟ قال (عليه السلام): نعم، أما سمعت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر»؟ إنّ الله يطهّر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما يبتليهم به من المحن، وبما يغفره لهم فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} حتى إذا أوردوا القيامة توفّرت عليهم طاعاتهم وعباداتهم.
وإن أعداء آل محمّد يجازيهم عن طاعة تكون منهم في الدنيا ـ وإن كان لا وزن لها؛ لأنّه لا إخلاص معها ـ إذا وافوا القيامة حملت عليهم ذنوبهم، وبغضهم لمحمد وآله وخيار أصحابه، فقذفوا في النار.
ولقد سمعت محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنه كان فيما مضى قبلكم رجلان: أحدهما مطيع لله مؤمن، والآخر كافر به مجاهر بعداوة أوليائه وموالاة أعدائه وكل واحد منهما ملك عظيم في قطر من الأرض، فمرض الكافر واشتهى سمكة في غير أوانها؛ لأنّ ذلك الصنف من السمك كان في ذلك الوقت في اللُّجج بحيث لا يقدر عليه، فآيسته الأطباء من نفسه.
وقالوا له: استخلف على ملكك من يقوم به، فلست بأخلد من أصحاب القبور، فإن شفاءك في هذه السّمك التي اشتهيتها ولا سبيل إليها. فبعث الله ملكاً وأمره أن يزعج تلك السمكة إلى حيث يسهل أخذها فأخذت له تلك السمكة فأكلها وبرئ من مرضه، وبقي في ملكه سنين بعدها.
ثمّ إنّ ذلك الملك المؤمن مرض في وقت كان جنس ذلك السمك بعينه لا يفارق الشطوط التي يسهل أخذه منها، مثل علّة الكافر، فاشتهى تلك السّمكة ووصفها له الأطباء وقالوا: طب نفساً فهذا أوانه، تؤخذ لك فتأكل منها وتبرأ.
فبعث الله سبحانه وتعالى ذلك الملك وأمره أن يزعج جنس تلك السمكة عن الشطوط إلى اللُّجج لئّلا يُقدَر عليها، فلم يوجد حتى مات المؤمن من شهوته وبُعد دوائه.
فعجب من ذلك ملائكة السماء، وأهل ذلك البلد في الأرض حتى كادوا يفتنون؛ لأنّ الله سبحانه سَهَّلَ على الكافر ما لا سبيل إليه، وعَسَّرَ على المؤمن ما كان السبيل إليه سهلاً، فأوحى الله تعالى إلى ملائكة السماء وإلى نبيّ ذلك الزمان في الأرض.
إنّي أنا الله الكريم المتفضّل القادر، لا يضرّني ما أُعطي، ولا ينقصني ما أمنع، ولا أظلم أحداً مثقال ذرّة، فأمّا الكافر فإنّما سهّلتُ له أخذ السمكة في غير أوانها ليكون جزاءً على حسنة كان عملها؛ إذ كان حقّاً عليّ ألّا أُبطل لأحدٍ حسنته، حتّى يرد القيامة ولا حسنة في صحيفته، ويدخل النار بكفره، ومنعت العابد تلك السمكة بعينها؛ لخطيئة كانت منه فأردت تصحيفها عنه بمنع تلك الشهوة وإعدام ذلك الدواء، وليأتيني ولا ذنب عليه فيدخل الجنة.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): ولربِّما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره بسم الله الرحمن الرحيم فيمتحنه الله عزَّ وجلّ بمكروه؛ لينبّهه على شكر الله تبارك وتعالى والثناء عليه، ويمحو عنه وصمة تقصيره عند تركه قول بسم الله الرحمن الرحيم.



