كريم الدوسري.. رسام النساء الجنوبيات المنتظرات للفرح

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يعد كريم الدوسري، واحداً من الرسامين الذين جعلوا اللون، عنصراً حاسماً في سطوحه التصويرية، بغية فتح قنوات التواصل مع متلقيه قبل كل شيء، فضلا عن كونه أجاد رسم نساء الجنوب اللواتي مللن الانتظار لقدوم الفرح.
وقال الناقد رحيم يوسف: “لا يمكن أن تتكرر الظروف التاريخية في أزمان مختلفة، لكنها قد تتشابه في حالات معينة لتؤدي الى وجود معطيات تساهم في خلق حراك أدبي أو فكري أو فني، هذا الحراك الذي قد يستلهمه مبدع ما في أحد تلك المجالات المذكورة في بلد ما عند وجود ذلك التشابه، والمسألة هنا تخرج عن حيّز التقليد الأعمى، لان المعطيات تختلف حتما، والكتابة في هذا المقام تتصدى للفن، والفن التشكيلي بشكل أدق، ففي الفن السوريالي مثلا، ثمة الكثير من الفنانين العراقيين الذين خاضوا غمار الفن من خلالها عبر تجارب لافتة وتطورت فنياً وادائياً وكذلك في مدارس فنية أخرى، على الرغم من مرور أكثر من مائة عام على ابتداعها على أيدي روادها، وذلك لا يشكل سبة أو خللاً ما، وذلك لتطابقها مع رؤى الفنان الذي يعمل ويبدع من خلالها، ومع المد الهائل لمدارس الحداثة وما بعد الحداثة التي اجتاحت الفن التشكيلي عالميا ومحليا”.
وأضاف: “على الرغم من ان الفنان كريم الدوسري كان قد وصف اشتغالاته باعتبارها تنتمي للمدرسة التعبيرية في الرسم، إلا اننا وبالتأمل الهادئ، نستطيع أن نلاحظ أن ثمة أكثر من ملمح ادائي لها، فهي وأن كان الطابع العام الواضح عليها تعبيرياً، لكنها تميل باتجاهات متعددة في ذات اللحظة بحسب رأيي على الأقل، وذلك ما يتطلب مهارات ادائية كبيرة وقدرات أكبر تساعده في الأداء، وهو ما يتضح من خلال الكتل اللونية المتداخلة والخطوط العامة التي تضم المشخصات الواقعية والشيئية على حد سواء، ونحن بدورنا بإمكاننا الخوض في تجربة فنان ما بعد ان يشي بمتبنياته الفنية والفكرية التي ستساهم في فهمنا لتجربته عند محاولة تفكيكها”.
وتابع: “قد لا استطيع التعبير عن كم الدهشة المقرون بالمتعة الجمالية، وأنا اتأمل للمرة الأولى الأعمال التي عرضها الفنان كريم الدوسري، تلك الأعمال التي تمتلك أسرار تفوقها فنيا وادائيا، وأنا شخصيا لا استطيع ان أكتم ميلي باتجاه الأعمال التعبيرية التي تحمل الكثير من المتعة الجمالية التي تشد فيها المتلقي، خصوصا إذا كان الفنان يمتلك قدرات ادائية ولونية مدعومة برؤى جمالية تؤهله للامساك بالمتلقي، وإقامة حوار بصري صامت معه، لتتحول الى نوع من التجلي الروحي المتبادل، هكذا هو الأمر حينما تتأمل أعمال الدوسري للمرة الاولى بحسب رأيي المتواضع غير القابل للتعميم اطلاقا، لان الجميع يتعامل مع الأعمال الفنية وفقا لذائقته التي تخلق الميل أو النفور باتجاه الأعمال المعروضة أيا كانت”.
وأوضح: إن “الدوسري يدون أعمالا تفصح عن أصوله الجنوبية وذلك ما يتضح من خلال مفردات بعينها تمثل بعض الموجودات، كما أنه رسم المرأة بكثير من التعابير التي تنبئ عن وحدتها، ولربما هي بانتظار غائب ما، كما هو لدى نساء الجنوب اللواتي مللن الانتظار”.
وبيّن: “قد تبدو معالجاته اللونية وكأنها تقترب من استخدامات اللون في المدرسة الوحشية أو الواقعية السحرية، غير ان هذا الانطباع يتبدد عبر انتماء الفنان الجنوبي، لتطبع تلك الألوان في مخيلته وهي تتماهى مع أردية الفتيات الجنوبيات المدهشة لونيا، ولعل مرد ذلك الى نوع من التمرد الضمني على سكونية الألوان ومحدوديتها في البيئة الجنوبية، باستثناء ألوان الطيور المهاجرة التي تلون حياة أهالي الجنوب في موسم هجرتها السنوي، وهو إذن يستعير تلك الدهشات اللونية من تأثيرات بيئته حيث نشأ، وذلك عبر ملاحظة مهرجان الألوان في أردية فتيات الجنوب الضاجة بالألوان، ليشكل اللون ملمحاً أساسياً في أعماله مرارا وتكرارا، وهو اضافة جمالية مهمة في سطوحه التصويرية، كما انه يؤدي تأثيره المباشر على المتلقي باعتباره عاملا جاذبا له كما أشرت، ذلك ما يتضح في اللحظة الأولى لتلقي أعماله، كما ان طريقة تعامله مع اللون تؤدي الى احالات ضمنية بالإمكان تلقيها لحظة الاقتراب من السطوح”.



