الإمام العسكري (عليه السلام) في سجون العباسيين

تعرّض الإمام العسكري (عليه السلام) خلال خلافة المعتز والمهتدي والمعتمد إلى السجن أكثر من مرة، وكانوا يوكلون به أشخاصاً من ذوي الغلظة على آل أبي طالب والعداء لأهل البيت (عليه السلام) من أمثال: علي بن اوتامش، وأقتامش، ونحرير، وعلي بن جرين، وكان المعتمد يسأل علي بن جرين عن أخباره (عليه السلام) في كلّ مكان ووقت، فيخبره أنه يصوم النهار ويصلي الليل، كما كان العباسيون يدخلون على بعض مسؤولي السجن ومنهم صالح بن وصيف، فيوصونه بأن يضيق عليه ويؤذيه.
وكانوا لا يفارقونه حتى في الاعتقال حيث كانت الرقابة السرية تطارده وأصحابه بدسّ الجواسيس بين أصحابه في السجن، وكان أحدهم يدّعي أنه علوي وهو جُمحي، وقد هيّأ كتاباً جعله في طيات ثيابه كتبه إلى السلطان يخبره بما يقولون ويفعلون.
ويصف أبو يعقوب إسحاق بن أبان طريقة حراسة السجن الذي يودع فيه الإمام (عليه السلام) ومراقبته الصارمة بقوله: «إن الموكلين به لا يفارقون باب الموضع الذي حبس فيه (عليه السلام) بالليل والنهار، وكان يُعزَل الموكلون ويولّى آخرون بعد أن تجدّد عليهم الوصية بحفظه والتوفّر على ملازمة بابه».
أما موقف الإمام (عليه السلام) من السجن والسجانين، فهو إقامة الحجة الواضحة عليهم عن طريق أفعاله وزهده وعبادته وصلاحه، وقد استطاع من خلال هذا الأسلوب أن يفرض هيبته على غالبيتهم، حتى أن بعضهم يرتعد خوفاً وفزعاً بمجرد أن ينظر إليه، قال بعض الأتراك الموكلون به حينما كان في سجن صالح بن وصيف: «ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه، ولا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا».
وحينما حلّ في سجن علي بن أوتامش، وكان شديد العداوة لآل البيت: غليظاً على آل أبي طالب، فضلاً عن أنه اُوصي من قبل السلطة بأن يفعل به ويفعل على ما جاء في الرواية، لكنه تأثر بهدي الإمام (عليه السلام) ومكارم أخلاقه، فوضع خده على الأرض تواضعاً له، وكان لا يرفع بصره إليه اجلالاً وإعظاماً، وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة واحسنهم فيه قولاً.
وحينما أوصى العباسيون صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) عنده بأن يضيق عليه، قال لهم صالح وهو يعلن اعتذاره وعجزه عن هذا الأمر: «ما أصنع به وقد وكلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، فقد صاروا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم».



