اخر الأخباراوراق المراقب

كيف واجه الإمام العسكري “عليه السلام” القمع العباسي؟

احتلّ أهل البيت (عليهم السلام) المنزلة الرفيعة في قلوب المسلمين، لما تحلّوا به من درجات عالية من العلم والفضل والتقوى والعبادة، فضلاً عن النصوص الكثيرة الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) في الحث على التمسّك بهم والأخذ عنهم.

والقرآن الكريم ـ كما نعلم ـ قد جعل مودّة أهل البيت وموالاتهم أجراً للرسول (صلى الله عليه وآله) على رسالته كما قال تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى).

غير أن الحكام والخلفاء الذين تحكّموا في رقاب الأمة بالسيف والقهر حاولوا طمس معالمهم وإبعاد الأمة عنهم بمختلف الوسائل والطرق، ثم توّجوا أعمالهم بقتلهم بالسيف أو بدس السمّ.

ومع كل ما فعله الحكّام المنحرفون عن خطّ الرسول (صلى الله عليه وآله) بأهل البيت (عليهم السلام)، لم يمنعهم ذلك السلوك العدائي من النصح والارشاد للحكّام، وحل الكثير من المعضلات التي واجهتها الدولة الإسلامية على امتداد تأريخها بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحتى عصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).

الإمام الحسن بن علي العسكري

هو المعصوم الثالث عشر والإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

نشأ وتربّى في ظلّ أبيه الذي فاق أهل عصره علماً وزهداً وتقوىً وجهاداً. وصحب أباه اثنتين أو ثلاثاً وعشرين سنة وتلقّى خلالها ميراث الإمامة والنبوّة، فكان كآبائه الكرام علماً وعملاً وقيادةً وجهاداً وإصلاحاً لأمّة جدّه محمد (صلى الله عليه وآله).

وقد ظهر أمر إمامته في عصر أبيه الهادي (عليه السلام) وتأكّد لدى الخاصة من أصحاب الإمام الهادي والعامة من المسلمين أنه الإمام المفترض الطاعة بعد أبيه (عليه السلام).

تولّى مهامّ الإمامة بعد أبيه واستمرّت إمامته نحواً ست سنوات، مارس فيها مسؤولياته الكبرى في أحرج الظروف وأصعب الأيّام على أهل بيت الرسالة بعد أن عرف الحكّام العباسيون ـ وهم أحرص من غيرهم على استمرار حكمهم ـ أن المهدي من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن ولد علي ومن ولد الحسين (عليه السلام) فكانوا يترصّدون أمره وينتظرون أيّامه كغيرهم، لا ليسلّموا له مقالد الحكم بل ليقضوا على آخر أمل للمستضعفين.

امتداد الأساليب المتبعة لقمع الشيعة

لم تتغير الاجراءات القمعية التي كانت تمارسها السلطة العباسية تُجاه الشيعة في عصر المعتمد بل كانت امتداداً للسياسة المعهودة والتي أصبحت تقليداً يتوارثه الخلفاء العباسيون إزاء الأئمة الأطهار وشيعتهم، وذلك لما كان يخشاه الخلفاء من تطور الوضع لصالحهم واتّساع نشاطهم السياسي، مما قد ينجم عنه تغيّر الوضع ضد السلطة القائمة، والتفاف الناس بشكل أكبر حول الإمام (عليه السلام) وبالتالي قد يتّخذ الإمام موقفاً جهاديّاً تُجاه الخليفة وسلطته.

وكانت أساليب السلطة تُجاه الحركة الشيعية لا تتجاوز الأساليب التي عهدتها في عصور سابقة وهي:-

1 ـ المراقبة ورصد تحرّكات أصحاب الإمام وشيعته.

2 ـ السجن وكانت تعمد إليه السلطة من أجل الحدّ من نشاط أصحاب الإمام (عليه السلام).

3 ـ القتل: وكانت ترتكبه السلطة حين لا ترى جدوى في أساليبها الأخرى تُجاه الشيعة، أو تشعر بتنامي نشاطهم، فتلجأ الى قتل الشخصيات البارزة والمقرَّبين من الإمام (عليه السلام).

وكالعادة وعلى ما توارثه المعتمد العباسي من أجداده في الكيد والنيل من أهل البيت “عليهم السلام” وإتباع الاساليب ذاتها التي اتبعها أسلافه، فان الإمام الحسن العسكري “عليه السلام” لم يسلم مما تربصت به الحكومة العباسية له لا سيما عنصر المراقبة الدائم له “عليه السلام” كون معرفة بعض حواشي السلطة الجائرة ببعض أخبار أهل البيت “عليهم السلام” حول الإمام المهدي “عجل الله تعالى فرجه الشريف” وكانت الشكوك تتجه نحو الإمام الحسن العسكري “عليه السلام” في كونه يخفي ابناً يخلفه بالإمامة بعده، فكان الإمام الحسن العسكري “سلام الله عليه” يوفر كامل الحماية والحفض لبقية الله في أرضه، فضلا عن تصديه للصعيد العلمي في معالجة الانحرافات العقائدية والفكرية آن ذاك.

ومن الطبيعي ان نجد الحكومة العباسية ناصبة لعداء ائمة أهل البيت “عليهم السلام” ويلتمس المتتبع للسلالة العباسية الحاكمة ذلك عند مراجعته للتأريخ والروايات الكثيرة الواردة في ادانة الحكومة العباسية، ولذلك نرى العدائية التي أدت الى اغتيال الإمام الحسن العسكري “عليه السلام” هي من أصل الحسد والبغضة لآل البيت “عليهم السلام” لما حازوه من العلم الإلهي الذي جعل منهم قطباً للمتنورين، وعليه اتخذ المعتمد العباسي الذي كان قد أزعجه تعظيم الأمة للإمام العسكري وتقديمهم له على جميع الهاشميين من علويين وعباسيين على ان يغتاله بدس السم له كما في الروايات الشريفة.

وقد ذكر أغلب المؤرخين، أنّ سنة شهادته كانت (260هـ) في الثامن من شهر ربيع الأول، وأشاروا إلى مكان دفنه الذي هو بجنب أبيه الإمام علي الهادي “عليه السلام” في سامراء، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد (الحجة) وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وقد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى